تكشف الحروب في كثير من الأحيان مفارقة اقتصادية عميقة. فبينما تُنفق مئات المليارات على العمليات العسكرية، تبقى احتياجات التنمية الأساسية في العالم دون تمويل كافٍ. الحرب الدائرة حالياً تقدّم مثالاً واضحاً على هذه المفارقة، إذ تُقدَّر كلفة العمليات العسكرية المباشرة بنحو ملياري دولار يومياً. هذا الرقم الضخم يفتح الباب أمام تساؤل اقتصادي مهم: ماذا لو تم توجيه هذه الموارد نحو التنمية بدلاً من الحرب؟.
إذا أخذنا هذا الرقم بشكل سنوي، فإن كلفة الحرب تصل إلى نحو 730 مليار دولار خلال عام واحد فقط. ومن منظور اقتصادي عالمي، يمثل هذا الرقم قدرة تمويلية هائلة يمكنها إحداث تغييرات جذرية في العديد من الملفات الإنسانية والتنموية. فالقضاء على الفقر المدقع في العالم يحتاج إلى ما بين 60 و80 مليار دولار سنوياً فقط، ما يعني أن كلفة عام واحد من الحرب قادرة على تمويل هذا الهدف عدة مرات. كذلك تشير التقديرات الدولية إلى أن إنهاء الجوع في العالم يتطلب نحو 40 مليار دولار سنوياً، أي أن كلفة عام واحد من الحرب تعادل تمويل هذا الهدف نحو 18 مرة.
ولا يقف الأمر عند هذا الحد، فالتعليم الأساسي لجميع الأطفال في العالم يحتاج إلى نحو 39 مليار دولار سنوياً، ما يعني أن المبلغ نفسه يمكن أن يموّل هذا الهدف لمدة تقارب 18 عاماً متواصلة. هذه الأرقام تبرز بوضوح حجم الفجوة بين الموارد التي تُنفق على الصراعات العسكرية وتلك التي تحتاجها البشرية لتحقيق أهداف تنموية أساسية.
أما على مستوى الشرق الأوسط، فإن توجيه هذه الموارد نحو التنمية يمكن أن يغيّر ملامح المنطقة بالكامل. فمليارا دولار يومياً يمكن أن توفر الغذاء لنحو ثمانية ملايين شخص لمدة عام كامل. وبحسبة أبسط، فإن عشرة أيام فقط من كلفة الحرب تكفي لتغطية احتياجات الجوع في الشرق الأوسط لمدة سنة كاملة.
وفي ملف إعادة الإعمار، تظهر الفجوة بصورة أكثر وضوحاً. إذ تشير التقديرات إلى أن شهرًا واحدًا فقط من كلفة الحرب يمكن أن يكون كافياً لإعادة إعمار قطاع غزة. كما أن خمسين يوماً من كلفة الحرب قد تكون كافية لإنعاش اقتصاد اليمن وإعادة بناء جزء كبير من بنيته التحتية التي دمرتها سنوات الصراع.
وفي أحد أكبر التحديات التي تواجه المنطقة، وهي أزمة المياه، يمكن لتكلفة خمسة وسبعين يوماً فقط من الحرب أن تموّل مشاريع واسعة للتحلية وبناء شبكات مياه حديثة قادرة على معالجة جزء كبير من أزمة شح المياه في الشرق الأوسط. أما إذا تم توجيه كلفة مئة يوم من الحرب نحو الاستثمار في الطاقة الخضراء، فمن الممكن أن تتحول المنطقة إلى مركز رئيسي للطاقة المتجددة والتنمية المستدامة.
وتصل الصورة إلى ذروتها عند الحديث عن إعادة إعمار الدول المتضررة من النزاعات الطويلة. فالتقديرات تشير إلى أن كلفة مئتي يوم فقط من الحرب يمكن أن تكون كافية لإعادة إعمار سوريا بالكامل وإعادة تشغيل قطاعاتها الاقتصادية الأساسية.
لكن الحرب لا تقتصر آثارها على كلفتها المالية المباشرة، فالصراعات العسكرية تؤثر أيضاً في الاقتصاد العالمي عبر قنوات متعددة، أبرزها أسواق الطاقة. فالتوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط غالباً ما تنعكس سريعاً على أسعار النفط العالمية. وتشير التقديرات الاقتصادية إلى أن ارتفاع أسعار النفط بنسبة 10 في المئة قد يؤدي إلى ارتفاع التضخم العالمي بنحو 40 نقطة أساس، أي ما يعادل 0.40 نقطة مئوية.
ولتوضيح ذلك بالأرقام، إذا كان معدل التضخم العالمي عند مستوى 3 في المئة، فإن ارتفاع أسعار النفط بنسبة 10 في المئة قد يرفع التضخم إلى نحو 3.4 في المئة. هذه الزيادة تبدو صغيرة ظاهرياً، لكنها على مستوى الاقتصاد العالمي تعني ارتفاعاً في تكاليف المعيشة، وزيادة الضغوط على السياسات النقدية، وإبطاء وتيرة النمو الاقتصادي في العديد من الدول.
وفي الوقت الذي تتحمل فيه الاقتصادات العالمية هذه التكاليف، تظهر في المقابل جهات تحقق مكاسب من استمرار الصراعات. فشركات الصناعات العسكرية تشهد عادة ارتفاعاً كبيراً في الطلب على الأسلحة والأنظمة الدفاعية، كما تستفيد شركات الطاقة من ارتفاع أسعار النفط الناتج عن التوترات الجيوسياسية. في حين يجد المضاربون في الأسواق المالية فرصاً لتحقيق أرباح من تقلبات أسعار النفط والذهب والعملات.
هذه المفارقة تكشف حقيقة اقتصادية بأن الحروب ليست مجرد صراعات عسكرية، بل منظومة اقتصادية معقدة تتداخل فيها المصالح السياسية والاقتصادية والاستراتيجية. وبينما تدفع المجتمعات كلفة الدمار والتضخم وعدم الاستقرار، تستفيد قطاعات محددة من استمرار حالة التوتر.
لو تم توجيه جزء بسيط من الموارد التي تُنفق على الحروب نحو مشاريع التنمية والبنية التحتية والطاقة والغذاء والتعليم، فإن الشرق الأوسط يمكن أن يتحول خلال سنوات قليلة من منطقة صراعات إلى منطقة ازدهار اقتصادي واستقرار تنموي. فالأموال التي تُنفق اليوم على تدمير المدن يمكن أن تكون نفسها القادرة على بنائها، وعلى تحويل المنطقة إلى مركز للطاقة المتجددة والأمن الغذائي والتنمية المستدامة، وربما إلى نموذج جديد للاستقرار والازدهار في العالم.
