نشأت الدولة الأردنية في بيئة إقليمية مضطربة فرضت عليها منذ بداياتها تحديات سياسية وأمنية متواصلة. فموقعها الجغرافي المحوري، إلى جانب مواقفها السياسية والقومية الثابتة تجاه قضايا المنطقة، جعلاها في قلب التفاعلات والأزمات التي شهدها الإقليم عبر عقود متعاقبة. وفي أكثر من محطة تاريخية وجد الأردن نفسه مضطرا للتعامل مع تداعيات تلك الأزمات وما تركته من آثار مباشرة وغير مباشرة على أوضاعه الداخلية، وهي آثار امتد تأثيرها السياسي والاجتماعي أحيانا لسنوات طويلة.
ورغم ذلك، استطاع الأردن عبر مختلف تلك المراحل أن يتعامل مع الأزمات التي واجهته على تنوعها، وأن يحد من آثارها وتداعياتها. ولم يكن هذا النجاح مصادفة، بل نتاج نهج سياسي وإداري راكم خبرة طويلة في إدارة الأزمات، ورسخ قدرة مؤسسات الدولة على مواجهة التحديات بحكمة واتزان.
ومع تطور فلسفة الحكم، برز النهج المؤسسي في إدارة الأزمات بوصفه الإطار الأكثر فاعلية في التعامل مع الظروف الاستثنائية. فإدارة الأزمات لم تعد تعتمد على ردود الفعل أو الاجتهادات الفردية، بل أصبحت عملية مؤسسية تقوم على وجود أطر قانونية وهيئات وطنية متخصصة تعمل بصورة متكاملة لتقدير المخاطر ووضع السيناريوهات المختلفة للتعامل معها. ومن هنا حرص الأردن على إنشاء عدد من المجالس والهيئات التي أسندت إليها مسؤولية متابعة القضايا الاستراتيجية وإدارة الظروف الطارئة، بحيث تشكل هذه الجهات منصات للتفكير الجماعي وصنع القرار.
ومن أبرز هذه المؤسسات الوطنية مجلس الأمن القومي الذي أنشئ عام 2022 ليشكل إطارا مؤسسيا يُعنى بالشؤون العليا المرتبطة بالأمن والدفاع والسياسة الخارجية. وقد برز دور هذا المجلس بصورة واضحة في الأيام الماضية، حيث ترأس جلالة الملك عبدالله الثاني اجتماعا له لمتابعة التطورات الإقليمية وتقدير انعكاساتها المحتملة على المملكة. ويعكس ترؤس جلالته لاجتماعات المجلس حرص القيادة على إدارة القضايا المرتبطة بالأمن الوطني ضمن إطار مؤسسي يجمع صناع القرار السياسي والأمني والعسكري في منصة واحدة لتقدير المواقف وصياغة الخيارات الاستراتيجية للدولة.
كما ترأس جلالة الملك اجتماعا في المركز الوطني للأمن وإدارة الأزمات للوقوف على جاهزية مؤسسات الدولة في التعامل مع تداعيات الحرب الإقليمية الدائرة حاليا. ويعد هذا المركز أحد أهم المؤسسات الوطنية التي طورتها الدولة الأردنية لإدارة الأزمات، إذ يوفر منصة تنسيق بين مختلف الأجهزة والمؤسسات المعنية، ويتيح متابعة التطورات بصورة متواصلة، إلى جانب إعداد السيناريوهات اللازمة للتعامل مع مختلف الاحتمالات.
ولا يقتصر هذا النهج المؤسسي على الجوانب الأمنية والسياسية فحسب، بل يمتد أيضا إلى المجالات الاقتصادية والمعيشية التي تمس حياة المواطنين مباشرة. فقد ترأس رئيس الوزراء قبل أيام اجتماعا للمجلس الأعلى للأمن الغذائي لمتابعة واقع المخزون الغذائي في المملكة، وذلك إدراكا من الدولة الأردنية لأهمية ضمان استقرار الأسواق وتوفير السلع الأساسية باعتبار ذلك جزءا أساسيا من منظومة الاستعداد الوطني لمواجهة الأزمات.
إن الهدف الجوهري من إنشاء هذه المجالس والهيئات الوطنية لا يقتصر على تنظيم العمل الحكومي في الظروف الاستثنائية، بل يتجاوز ذلك إلى غاية أعمق تتمثل في حماية استقرار الحياة اليومية للمواطنين، ومنع انتقال آثار الأزمات الإقليمية إلى المجتمع. فنجاح الدولة في إدارة التحديات يقاس في النهاية بمدى قدرتها على الحفاظ على انتظام الحياة العامة رغم ما يجري حولها من تحولات واضطرابات.
وفي هذا السياق يمكن ملاحظة أن قرابة الأسبوعين قد مرت على اندلاع الحرب في الإقليم، ورغم خطورة التطورات وتسارعها، لم يشعر المواطن الأردني بأي تبعات اجتماعية أو أمنية مباشرة تمس حياته اليومية. فالأسواق تعمل بصورة طبيعية، ومؤسسات الدولة تؤدي وظائفها المعتادة، والناس يمارسون حياتهم اليومية دون أية اضطرابات. وهذه الحالة من الاستقرار المجتمعي ليست أمرا عفويا، بل هي نتيجة عمل مؤسسي منظم وجهود كبيرة تدار من أعلى مستويات الدولة.
وما يزيد من هذه الحالة من الطمأنينة أن يرى المواطن الأردني جلالة الملك يتابع بنفسه أعمال هذه المجالس والمؤسسات الوطنية، حيث يترأس اجتماعاتها ويوجه أعضاءها حول كيفية التعامل مع هذه التطورات غير الاعتيادية، ويتابع سير التنسيق بين مؤسسات الدولة المختلفة، ليكون العمل المؤسسي المنظم هو الأداة الأكثر فاعلية في إدارة الأزمات والتعامل مع تحديات المرحلة.
وفي مقابل هذا الجهد الكبير الذي تبذله مؤسسات الدولة في التعامل مع التحديات الإقليمية، تبرز مسؤولية لا تقل أهمية تقع على عاتق المجتمع نفسه. فالدولة، مهما بلغت قدرتها المؤسسية، تحتاج في لحظات الأزمات إلى جبهة داخلية متماسكة تمنحها القدرة على التركيز في مواجهة التحديات الخارجية.
ومن هنا تبرز أهمية وقوف المواطن إلى جانب دولته، محافظا على وحدة الصف الوطني وعلى الاستقرار الداخلي، وألا يسمح للخلافات أو القضايا الجزئية أن تتحول إلى عوامل تشغل الدولة ومؤسساتها عن أداء دورها الأساسي في حماية الوطن ومصالحه. فتماسك الجبهة الداخلية كان دائما أحد أهم عناصر قوة الدول في مواجهة الأزمات، وهو ما يحتاجه الأردن اليوم كما احتاجه في محطات عديدة من تاريخه.
* أستاذ القانون الدستوري في كلية الحقوق في الجامعة الأردنية
