عروبة الإخباري –
كتبت الإعلامية الدكتورة عبير العربي –
ليست هذه المرة الأولى التي يشهد فيها التنسيق والتواصل بين القيادتين المصرية والأردنية هذا المستوى من الحضور والتفاعل، فالعلاقة بين البلدين الشقيقين تمتد لعقود طويلة من التعاون الراسخ والتفاهم السياسي العميق. وقد شكّل التواصل المستمر بين جلالة الملك عبدالله الثاني والرئيس عبدالفتاح السيسي ركيزة أساسية في ترسيخ نهج التشاور الدائم حيال مختلف القضايا الإقليمية، خصوصاً في أوقات الأزمات والتحديات التي تمر بها المنطقة.
فالعلاقة بين عمّان والقاهرة ليست وليدة ظرف سياسي عابر، بل هي امتداد لمسار تاريخي طويل من التنسيق والعمل المشترك، الذي تعزز عبر السنوات من خلال مواقف متقاربة ورؤية استراتيجية متشابهة تجاه قضايا الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط. وقد أدركت القيادتان منذ سنوات أن تعقيدات المشهد الإقليمي وتداخل التحديات السياسية والأمنية تفرض مستوى عالياً من التنسيق المستمر، بما يضمن حماية مصالح البلدين، ويعزز في الوقت ذاته استقرار المنطقة بأسرها.
ومن جانب آخر، تشكّل العلاقة المصرية الأردنية نموذجاً واضحاً وواقعياً لما يمكن أن يكون عليه التعاون العربي المشترك عندما يقوم على المصالح المتبادلة والاحترام المتبادل ووحدة الرؤية السياسية. فهذا التنسيق لم يقتصر على الجانب السياسي فحسب، بل امتد ليشمل مجالات عديدة، من التعاون الاقتصادي والاستثماري، إلى التنسيق الأمني والدبلوماسي، إضافة إلى المواقف المتقاربة في القضايا العربية الكبرى، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.
ولعل ما يميز هذه العلاقة أنها بقيت ثابتة ومتينة رغم التحولات العميقة التي شهدتها المنطقة خلال العقود الماضية. ففي الوقت الذي تعرضت فيه العديد من العلاقات العربية لاختبارات صعبة، حافظت العلاقة الأردنية المصرية على توازنها وقوتها، مستندة إلى إدراك مشترك لدى القيادتين بأن استقرار الدول العربية يتطلب شراكات حقيقية تقوم على الحوار والتفاهم لا على ردود الفعل المؤقتة.
وفي المقابل، لا يخلو المشهد من أصوات تحاول التقليل من أهمية هذا التنسيق أو التشكيك في جدواه، وهي في الغالب أصوات انتهازية اعتادت الاصطياد في الماء العكر، وترويج قراءات سطحية أو متسرعة للأحداث. فمثل هذه الطروحات، التي يرددها البعض دون إدراك عميق لطبيعة العلاقات بين الدول، لا تعدو كونها هرطقة سياسية لا تستند إلى معرفة حقيقية بعمق العلاقة الأردنية المصرية ولا بدورها المحوري في دعم الاستقرار الإقليمي.
إن التجربة أثبتت مراراً أن العلاقات التي تُبنى على أسس استراتيجية راسخة لا تتأثر بمحاولات التشكيك أو الضجيج الإعلامي، بل تزداد قوة مع مرور الوقت. ولهذا فإن التنسيق المستمر بين الأردن ومصر سيبقى أحد أعمدة العمل العربي المشترك، ونموذجاً عملياً لما يمكن أن تحققه الشراكة العربية عندما تتوافر الإرادة السياسية والرؤية المشتركة.
وفي ظل التحديات المتسارعة التي تمر بها المنطقة اليوم، تتأكد أهمية هذا الدور أكثر من أي وقت مضى، إذ تمثل عمّان والقاهرة معاً صوتاً عقلانياً يسعى إلى التهدئة، ويحذر من مخاطر التصعيد، ويدعو إلى حلول سياسية تحفظ حقوق الشعوب وتصون استقرار الدول. ومن هنا، فإن استمرار هذا التنسيق ليس مجرد خيار سياسي، بل ضرورة استراتيجية لحماية توازن المنطقة وتعزيز مستقبل أكثر استقراراً للعالم العربي.
