كتب سلطان الحطاب –
الحزن يلفنا…. يلف المؤرخين والباحثين لرحيل أبرز واهم مؤرخي القضية الفلسطينية، إنه البرفيسور وليد الخالدي، الذي ترك إرثاً عظيماً من المؤلفات والأبحاث والمقالات والدراسات والمقابلات عبر عمره الممتد، حيث عاش الخالدي قرناً من الزمان بالتمام، إذ ولد في 16/7/1925وتوفي في 8/3/2026، في الولايات المتحدة حيث عاش ودرس في ولاية ماساتشوستس الأمريكية.
يذكر الخالدي اداورد سعيد وهشام شرابي ورشيد الخالدي، وسلسلة من المفكرين والمبدعين والاكاديميين الذي أخذوا موقع الاستاذية في جامعاتهم وخاصة أنه خريج جامعة اكسفورد.
لقد جاهد الخالدي خصوم القضية الفلسطينية وظل صامداً كالطود حارساً للسردية الفلسطينية وحامياً لها بجملة من المؤلفات، فقد وثق هدم وتدمير أكثر من 400 قرية ومدينة هدمتها اسرائيل على أرض فلسطين، كما أنه أسس معهد الدراسات الفلسطينية في بيروت والذي له الفضل في الحفاظ على التراث الوثائقي النضالي الفلسطيني، وظل ارث الخالدي وما كتبه مرجعاً هاماً للأجيال، وخاصة ما كتبه عن تهجير الفلسطينيين.
وصلني خبر وفاته وأنا أقرأ كتابه “دراسة عن القرى والبلدات المدمرة”، فقد كنت اوثق ذلك في كتابي الذي انتهى أخيراً بعنوان “السردية الفلسطينية.. حتى لا تنسى الأجيال”..أصل الحكاية” عن نكبة 1948، وقد أصبت بغصة، فقد سقطت شجرة مثمرة.
رحل حارس الذاكرة الفلسطينية الذي ملأ الدنيا بعلمه ولم ينم عن مواقفه… بل ظل صاحياً يضيف وينقح.
وينظر الباحثون بتقدير واجلال الى ما يكتب ويقول لم يمت ادوارد سعيد صاحب الاستشراق، بل حفر اسمه على ذراع القضية كالوشم، ولم يمت الخالدي الذي انتسب لعائلة عريقة، منها أول رئيس لبلدية القدس، وهو يوسف ضياء الدين، ووليد الخالدي لا يحاجج بسهولة ويعترف له خصومه قبل اصدقائه بعمق الرواية ودقة البحث، ولعلي سمعت باسمه اول مرة من استاذي الراحل الدكتور محمود السمرة عميد كلية الآداب بالجامعة الاردنية أنذاك الذي قال لي مرة وأنا أجلس في مكتبة الجامعة أفتش عن كتاب:، “هل تقرأ ما يكتبه البرفيسور وليد الخالدي؟”، قلت، لا، قال”، اقرأه:” لأن العلم في بطون الكتب وليس على ألسنة المتحدثين فقط، المكتبة هي المعلم الأول”. وقد التقطت الرسالة، وقرأت، وتجرأت أن اكتب كتابي لاحقاً عن المفكر ادوارد سعيد باسم “آخر العمالقة جاء من فلسطين” وذلك عام 2006.
تتبعت ما يكتبه الخالدي، فقد ترك مكتبة متكاملة في الصراع الفلسطيني الاسرائيلي وعن القضية ومنها كي لا ننسى “قرى فلسطين التي دمرتها اسرائيل عام 1948، واسماء شهدائها”، “والقدس مفتاح السلام”، و”قبل الشتات” و”دير ياسين”، وبقي يدرس في جامعة برنتون الأمريكية وكذلك الجامعة الأمريكية في بيروت، وزميلاً في مركز هارفرد للشؤون الدولية.
والده كان أحمد سميح الخالدي، استاذ أجيال من الفلسطينيين، كان عميد الكلية العربية في القدس، ووالدته هي إحسان عقل من يافا، مترجمة ومفكرة، وابن خالته المفكر باسل عقل عضو المجلس الوطني الفلسطيني،ومن اخوانه طريف الخالدي وعالم الكيمياء أسامة الخالدي، والعائلة ممتدة في القدس الى ما قبل الحروب الصليبية، وكان وليد الخالدي قد تخرج من جامعة لندن عام 1945، ثم درس في اكسفورد ليحصل على الماجستير ودرس في اكسفورد واستقال احتجاجاً على العدوان الثلاثي الذي شاركت فيه بريطانيا على مصر.
نشر من خلال مؤسسة الدراسات الفلسطينية التي انشأها عام 1963، مذكرات ديفيد بن غوريون وشاريت وتاريخ الهاجاناه واعمال أخرى عن سقوط حيفا ودير ياسين، ثم أصبح باحثاً مشاركا في جامعة هارفرد عام 1982.
كان الخالدي يؤمن بحل الدولتين، وكان ممثلاً في الوفد الفلسطيني الأردني المشترك في محادثات السلام في الشرق الأوسط التي انطلقت من مدريد قبل اوسلو، ولم يشغل الخالدي أي منصب في منظمة التحرير أو أي من هيئاتها.
له أكثر من خمسين كتابا سوى المقالات.
رحيل الخالدي يترك فراغاً كبيراً رغم أنه أدى قسطه للبحث والعلم الى ان توفي، وقد نال العديد من الجوائز والأوسمة في حياته العلمية… إنه من جيل العمالقة الذين أعطوا الكثير دون توقف. له الرحمة وسيبقى اسمه محفورا في ذاكرة طلابه وشعبه..
