تبديل القبّعات أو “الطواقي” عادة مستحبة، لا يستحكم بها إلا ذوو الخبرة، والأهم المرونة، في القدرة على الانتقال من دور وظيفي إلى آخر.
يقول المتحدث قبل ذلك الانتقال: ارتدي الآن قبعة مثلا النائب لا الوزير، قبل الرد على سؤال جوابه يبدو في تلك المساحة الفارقة أو البرزخ بين ماء عذب فرات وماء مالح أجاج، قبيل وصول مياه نبع أو نهر إلى مصبه في بحر أو محيط.
بيت هِغْزِث، وزير الحرب الأول، في ولاية ترمب الثانية، بدأ -قبل توليه هذا المنصب- حياته عسكريا، وأنهاها بالتعليق الصحفي كناشط أو مؤثر على قناة فوكس نيوز الأقرب إلى ترمب والجمهوريين والمحافظين عموما، وليس الإخبار الصحفي كمستقل أو حتى كمنحاز لحزب أو اتجاه، دون آخر.
المتابع لتصريحات وتغريدات هغزث الأخيرة، ومن قبل خلال جلسة النظر في تثبيته في مجلس الشيوخ والتي تطلبت صوت نائب الرئيس جيه دي فانس كرئيس للمجلس لحسم الموقف، بعد تساوي أصوات المؤيدين والمعرضين، المتابع عن قرب يرى بوضوح التنقّل بين طاقيتيْ الصحفي المقاتل من جهة، والسياسي العسكري من جهة أخرى.
صباح الجمعة، الثامنة حسب توقيت الساحل الشرقي للولايات المتحدة، لعب الوزير دور الصحفي، في عرض بدائل صحفية دقيقة ليست مضللة أو منحازة لعدة “عواجل” وعناوين صحفية رئيسية “منشتّات” لما رصده هغزث على امتداد أربعة عشر يوما من إطلاق عمليتي “الغضب الملحمي” الأمريكية و “زئير الأسد” الإسرائيلية.
هغزث دخل كسياسي وصحفي من خلفية عسكرية، في تفاصيل المصطلحات عسكريا وإخباريا، وليس الخلاصات أو التعليقات والسرديات الصحفية والسياسية. انتقد التهويل والانتقائية القائمة على أسس تنحصر بالموقف من أمريكا أو الحزب الجمهوري أو إدارة ترمب أو منه شخصيا.
ضمن رده على أسئلة الصحفيين في البنتاغون وإلى جانبه رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان “ريزين” كين، أشار هغزث إلى تقرير اطّلع عليه بصفته وزيرا للحرب أمس الأول الساعة صفر ستئمة (0:600) في إشارة إلى القراءة العسكرية للأوقات، حيث الساعات رقمية تقيس الأداء وليس الزمن فقط بما هو أدق من الثواني.
لنا أن نتخيل أن الضربة الجوية الأولى، الافتتاحية التي قطعت رأس النظام تمت في أربعين ثانية، وأحصي عدد قتلاها حتى الآن بتسعة وأربعين، من بينهم المرشد الثاني، فيما ألمح هغزث إلى أن المرشد الثالث، خامنئي الابن أو “جونيور” بحسب بعض المعلقين في الأوساط السياسية والصحفية في أمريكا، ألمح بأنه أصيب أو فقد أحد رجليه، وتعرض إلى تشويه جراء القصف في وجهه.
اللافت أنه من ضمن إجابات وزير الحرب ما أعاد إلى الذاكرة تصريحات وزير الدفاع الأسبق دونالد رمسفيلد إبان حرب إسقاط نظام صدام، خلال إدارة الرئيس الأسبق جورج دبليو بوش (بوش الابن).
رمسفيلد قال يومها ردا على سؤال لم يكن ليريد الإجابة عليه: ثمة أمور نعرف أننا نعرفها، وهناك أمور نعرف أننا لا نعرفها، لكن هناك أيضا أمور لا نعرف أننا لا نعرفها!
الجديد الذي أتى به هغزث الجمعة في رده على سؤال بسؤال وأحيانا بتساؤل، كقوله صبيحة اليوم الرابع عشر للغضب الملحمي للصحفيين الأمريكيين والصحافة العالمية: خُذوا عِلما، إنهم يعلمون أننا نعلم..
ما من شك أن الحرب النفسية من مهام إدارة أي مفاوضات، وليس بالضرورة الصراع أو حالات الحرب فقط. صحيح أن كل ما يتعلق بالعمليات العسكرية ينبغي أن يبقى محصورا بمصادره العسكرية المباشرة المخولة بالتصريح أو الامتناع عن ذلك، لكن الجميع وخاصة من يعتبرون أنفسهم مؤثرين أو ناشطين أو مجرد معنيين بالحرب سواء لجهة الانخراط بها أو التأثر بتداعياتها، الجميع معنيون بإدراك خطورة الحرب النفسية وقوامها دائما وأبدا الحقيقة، المعلومة، الكلمة، الصورة، الصوت، المؤثرات الصوتية، والمؤثرات الرقمية (الغرافيكس بجميع أنوعها).
أضف إلى جميع ما ذُكر أعلاه، الخوارزميات وعوالم الذكاء الاصطناعي الخفية الذي صار مشغلوه يقرون بأنفسهم أنهم ما عادوا يعرفون ما ظنوا أنهم يعرفونه إلى حد ما أو يجهلونه إلى حد كبير!!
فلنتأمل يا رعانا الله أجمعين، ما حال أولئك مَعشر “الدِماغوغ” بمعنى القطعيين المتنطّعين، من أي فريق كانوا وفي أي ميدان وجدوا، ما حالهم وهم في كل حرب أو أزمة، “يقطعون ويلحشون” كما يقول إخوتنا في سوريانا الحبيبة، دون خبرة أو علم يؤهل لإدراك خفايا التلاعب بالوعي الجمعي لمدمني متابعة “عواجل الأراجيل” أو الفيب الإلكتروني الأكثر إدمانا وسُمّية، وسط زنّ وطنين الذباب الإلكتروني، في اجتزاء التصريحات الصادرة خلال المؤتمرات الصحفية وما تسبقها وتليها من تعليقات صحفية وتحويرات لا تحليلات سياسية، انطلاقا من مواقف مسبقة تقررت قبل الحرب الراهنة، أو الأخيرة، لا بل وحروب ترجع في دوافعها إلى عقود وقرون خلت، صارت عظام من خاضوها مكاحل فيما لا يربأ البعض بأنفسهم بأن يجعلوها مادة للعواجل على حساب أمن الناس وأمانهم، وقوت فلذات أكبادهم، واقتصاد وسياحة أوطانهم التي لا تكاد تتنفس الصعداء من حرب أو أزمة حتى عاجلوها بأخرى؟!
خذوا علمًا: يعلمون أننا نعلم..* بشار جرار
1
