هذه الورقة من إعداد كل من: آلاء العملة، حنين عاشور، مها شهوان، ضمن إنتاج المشاركين/ات في برنامج “التفكير الإستراتيجي وإعداد السياسات” – الدورة الثامنة، الذي ينفذه مركز مسارات بالتعاون مع الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي.**
مقدمة
اتسم التضامن الدولي مع القضية الفلسطينية قبل 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023 بطابع تقليدي يغلب عليه البعد الرمزي والانتقائي، حيث تمحور غالبًا حول خطاب إنساني عام أو مقاربات سياسية حذرة تُدرج القضية ضمن سياق صراع طويل الأمد أو عملية سلام متعثرة.
وفي هذا السياق، بقي حضور الرواية الفلسطينية في الإعلام الغربي محدودًا نسبيًا مقابل هيمنة سرديات تركز على “الأمن الإسرائيلي” أو مقاربة “توازن الطرفين”، كما في حروب 2008 و2014 و2021. وانعكس ذلك في طبيعة التضامن الذي بقي في معظمه محصورًا في دوائر حقوقية متخصصة أو حركات ضغط محدودة، مثل حركة مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها (BDS)، من دون أن يتحول إلى ضغط شعبي واسع أو إلى تغييرات ملموسة في السياسات الحكومية.
غير أن حرب الإبادة على قطاع غزة شكّلت نقطة انعطاف مهمة في طبيعة التضامن، إذ شهدت الساحة الدولية تصاعدًا ملحوظًا في الحراك الشعبي العابر للحدود، وتوسعًا في النقاشات السياسية والقانونية المرتبطة بطبيعة الصراع، فقد انتقل الخطاب في العديد من الفضاءات السياسية والإعلامية من إطار التعاطف الإنساني العام، إلى نقاشات أكثر مباشرة عن المسؤولية القانونية والأخلاقية المرتبطة بالاحتلال، في ضوء قواعد القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان.
وبرزت أدوات أكثر تأثيرًا للتضامن، شملت توسع الاحتجاجات الجماهيرية، وتصاعد الحملات الطلابية والأكاديمية، واتساع نطاق المقاطعة المؤسسية والثقافية، إلى جانب تنامي محاولات ربط القضية الفلسطينية بحركات العدالة العالمية ومناهضة العنصرية والاستعمار. وبالتوازي مع ذلك، شهدت الساحة الدولية تحركات سياسية وقانونية لافتة، منها التوجه إلى محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية لمحاكمة قادة الاحتلال، وتزايد اللجوء إلى المسارات القانونية الدولية لمساءلة الاحتلال، وإعادة تقديم ملف الاعتراف بدولة فلسطين،
تشير هذه التطورات إلى تحوّل نسبي في البيئة الدولية المحيطة بالقضية الفلسطينية، حيث لم يعد التضامن مقتصرًا على التعبير الرمزي، بل أصبح يتخذ أشكالًا شعبية وقانونية وسياسية متعددة. ومع ذلك، يظل التحدي الأساسي متمثلًا في قدرة الفلسطينيين على استثمار التحول وتحويله إلى أدوات ضغط مستدامة تعزز حضور القضية في النظام الدولي، وتدعم السعي نحو تحقيق الحقوق الوطنية الفلسطينية.
الهدف العام
تهدف الورقة إلى تقديم مجموعة من الحلول والبدائل السياساتية، التي تسهم في توجيه صانعي القرار الفلسطيني نحو بناء إستراتيجية متكاملة لسياسات فلسطينية فاعلة تستثمر تصاعد التضامن، وتعمل على تحويل التضامن من دعم رمزي وأخلاقي إلى مكاسب سياسية وقانونية ملموسة، بما يعزز الضغط على الاحتلال، ويرسّخ حضور القضية الفلسطينية على الأجندة الدولية.
الأهداف الخاصة
بحث الفرص التي أتاحتها حرب الإبادة في غزة لإعادة صياغة أدوات فلسطينية جديدة تساهم في استثمار التضامن الدولي.
اقتراح بدائل وسياسات عملية تساهم في تعزيز استمرارية التضامن الدولي وتحويله إلى أدوات ضغط سياسي وقانوني منظّمة.
تقديم إطار سياساتي يساعد صناع القرار على دمج التضامن الدولي ضمن إستراتيجيات وطنية أكثر فاعلية.
المشكلة السياساتية
على الرغم من الاتساع الملحوظ وتنوّع أشكال التضامن الدولي خلال حرب الإبادة، فإن هذا التضامن لم يُستثمر بعد على نحوٍ كافٍ لتحويله إلى مكاسب سياسية وقانونية مستدامة تخدم الحقوق الفلسطينية على المديين المتوسط والبعيد.
ويعكس هذا الواقع فجوة قائمة بين حجم التضامن المتحقق، والقدرة الفلسطينية على توجيهه ضمن سياسات جديدة ومحدّثة تستجيب للتحولات التي أفرزتها حرب الإبادة، وتستثمر الأشكال غير التقليدية للتضامن التي برزت، ولا سيما الحراك الشعبي والحقوقي العابر للحدود.
لا تزال المقاربات السائدة في التعامل مع التضامن تميل إلى أدوات تقليدية، لا تنسجم بالكامل مع طبيعة الحراك، ولا تستفيد بصورة كافية من التحوّل النسبي في مواقف بعض الدول، أو من التغير المتنامي في الرأي العام العالمي.
ويسهم تشتت الجهود بين الفاعلين الفلسطينيين الرسميين وغير الرسميين، إلى جانب ضعف الأطر التنسيقية مع حركات التضامن الدولية والجاليات الفلسطينية في الخارج، ومحدودية التكامل بين الأدوات الدبلوماسية والإعلامية والقانونية، في تقليص القدرة على تحويل التضامن إلى ضغط منظم تراكمي ومستدام. ونتيجة لذلك، لا تُستثمر الفرص المتاحة بالقدر المطلوب لتعزيز مسارات المساءلة القانونية، أو تحقيق اختراقات سياسية تدريجية، أو ترسيخ الحقوق الفلسطينية في صلب الأجندة الدولية بوصفها قضية تحرر وحقوق إنسان ذات أولوية مستمرة.
أشكال وأبعاد التضامن الدولي مع القضية الفلسطينية
يعكس التضامن الدولي في سياق حرب الإبادة على قطاع غزة تحولًا نوعيًا في مواقف عدد من الدول من الاكتفاء بالإدانة الخطابية والبيانات الرمزية إلى تبني إجراءات سياسية ودبلوماسية وقانونية واقتصادية.
اتخذ هذا التضامن بعدين رئيسيين: التضامن الرسمي، والتضامن الشعبي بمختلف مستوياته.
أولًا: التضامن السياسي والدبلوماسي الرسمي
شهد التضامن السياسي والدبلوماسي الرسمي تطورًا ملحوظًا تمثل في قرارات حكومية وإجراءات تشريعية وتحركات قانونية ارتبطت بالقانون الدولي وحقوق الإنسان.
على مستوى الاقتصاد السياسي، أعلنت إسبانيا رسميًا فرض حظر على تصدير الأسلحة إلى الاحتلال، واتخذت تدابير لمنع دخول أو مرور الدعم العسكري واللوجستي[1]. وكذلك فعلت سلوفينيا بما يشمل منع التصدير والاستيراد والمرور عبر أراضيها[2]. وأعلنت تركيا في العام 2024 تعليق صادراتها إلى الاحتلال، على الرغم من أن حجم التبادل التجاري بينهما بلغ نحو 1.5 مليار دولار في العام 2023[3].
أدى ذلك إلى انكماش الاقتصاد الإسرائيلي في آواخر العام 2023 بنسبة سنوية قاربت 20%[4]، وتراجعت الصادرات بنحو 18% في المرحلة الأولى من الحرب، وانخفض الاستثمار الأجنبي المباشر نحو 30% خلال العام 2024[5]. وهبط عدد السياح من 4.55 ملايين زائر في العام 2019 إلى أقل من مليون في 2024[6]. هذه المؤشرات لا تعني عزلة اقتصادية كاملة، لكنها تدل على أن كلفة الحرب باتت محسوسة في مؤشرات كلية كانت مستقرة نسبيًا في الجولات السابقة.
وشهد الاعتراف بدولة فلسطين وتيرة متسارعة، ففي أيار/ مايو 2024 اعترفت كل من أيرلندا ونيرو وإسبانيا رسميًا بالدولة الفلسطينية[7]، واعترفت المملكة المتحدة بالدولة في أيلول/ سبتمبر 2025 [8]. وزاد عدد الدول المعترفة إلى 157 دولة، مقارنة بـ 122 دولة في العام 2011[9]، ما يعكس اختراقًا داخل أوروبا الغربية، بصورة تعيد تشكيل التوازن الرمزي داخل النظام الدولي.
ثانيًا: التضامن القانوني الدولي
رفعت جنوب أفريقيا دعوى قضائية أمام محكمة العدل الدولية ضد الاحتلال بتهمة انتهاك اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية للعام 1948، وأصدرت المحكمة أوامر مؤقتة تلزم الاحتلال باتخاذ تدابير لحماية المدنيين وتسهيل دخول المساعدات الإنسانية[10].
وانضمت دول عدة إلى القضية بصفتها أطرافًا متدخلة، مثل إسبانيا والبرازيل وتركيا وكولومبيا، ما يمثّل انتقالًا من إدارة سياسية للنزاع إلى المساءلة القانونية المباشرة.
ثالثًا: في إطار الأمم المتحدة
اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارًا يدعم تنفيذ أوامر محكمة العدل الدولية المتعلقة بفلسطين، بدعم تجاوز 130 دولة، في مؤشر واضح على اتساع رقعة التضامن الدبلوماسي الدولي[11].
رابعًا: الأحزاب السياسية والاتحاد الأوروبي
أدت الأحزاب السياسية، خصوصًا في أوروبا، دورًا فاعلًا في دفع السياسات الحكومية نحو مواقف أكثر دعمًا للحقوق الفلسطينية. ففي المملكة المتحدة، وقّع 221 نائبًا من تسعة أحزاب مختلفة رسالة رسمية طالبت الحكومة بالاعتراف بدولة فلسطين.[12]
وعلى صعيد المساعدات الإنسانية، خصص الاتحاد الأوروبي أكثر من 1.25 مليار يورو مساعدات إنسانية للفلسطينيين منذ بداية الحرب، شملت دعم الغذاء والمياه والخدمات الصحية عبر وكالات الأمم المتحدة، إضافة إلى مخصصات مالية جديدة للفلسطينيين.[13]
خامسًا: التضامن الشعبي الدولي
شهدت القضية الفلسطينية أشكالًا متعددة من التضامن الشعبي، شملت المظاهرات الجماهيرية، والحملات الرقمية، والتضامن الإنساني، والمقاطعة الاقتصادية والثقافية، والحراك الأكاديمي والطلابي.
وأدت المظاهرات والاعتصامات دورًا محوريًا في الضغط على الحكومات، في حين أسهم الفضاء الرقمي في كسر احتكار الرواية الإعلامية، ونقل الانتهاكات بشكل لحظي إلى الرأي العام العالمي.
شهدت الأسابيع الثلاثة الأولى من الحرب نحو 4,200 حدث احتجاجي في 100 دولة، بما يعادل 38%[14]. وتشير هذه الكثافة العابرة للقارات إلى انتقال القضية من تضامن إقليمي أو أيديولوجي إلى ظاهرة احتجاج كونية متداخلة مع أجندات العدالة العالمية.
أما الولايات المتحدة، فشهدت نحو 12,400 احتجاج مؤيد لفلسطين بين عاميْ 2023 و2024، مقابل 2,000 احتجاج مؤيد لإسرائيل، وشارك ما يقارب 1.3 مليون شخص في أكثر من نصف الفعاليات التضامنيّة، ما يجعلها أكبر موجة احتجاج أميركية مرتبطة بحدث خارجي منذ العام 2017[15]ـ مقارنة بعدوانَيْ 2008 و2014، يكشف الفارق العددي والامتداد الزمني عن تحوّل في ميزان الرأي العام الأميركي، لا سيما مع انتقال المبادرات من التظاهر الرمزي إلى مخيمات اعتصام جامعية منسقة، وحملات مقاطعة مؤسسية داخل اتحادات أكاديمية ونقابية.
أوروبيًا، اتخذ التحول بعدًا جماهيريًا غير مسبوق منذ حرب العراق 2003. فقد تجاوزت إحدى مسيرات لندن 250 ألف مشارك[16]، في حين قُدّر حضور مظاهرة في بروكسل بين 70 و120 ألفًا في أيلول/ سبتمبر 2024[17]. المقارنة تكشف انتقال القضية من “ملف تضامن تخصصي” إلى محور تعبئة جماهيرية يقارن بحروب كبرى هزّت الرأي العام الغربي.
انعكس هذا التحول المجتمعي تدريجيًا في سلوكيات رسمية، خصوصًا في ملف التسليح، فقد تراجعت صادرات السلاح إلى إسرائيل من 326.5 مليون يورو في العام 2023 إلى 14.5 مليون يورو فقط بين كانون الثاني/ يناير ومنتصف آب/ أغسطس 2024، أي انخفاض يفوق 95%[18].
وفي سابقة قضائية، أوقفت هولندا تصدير قطع غيار طائرات إف 35 إلى لإسرائيل بقرار محكمة في العام 2024[19]، ما يشير إلى انتقال ملف التسليح من نطاق القرار التنفيذي المغلق إلى مجال المساءلة القضائية العلنية.
أما في الولايات المتحدة، فصوّت 19 عضوًا في مجلس الشيوخ في تشرين الثاني/ نوفمبر 2024 لصالح تقييد شحنات سلاح لإسرائيل، وهو رقم غير مسبوق تاريخيًا في هذا الملف[20]، حتى إن لم يُفضِ إلى حظر شامل.
سادسًا: المقاطعة الأكاديمية وبيانات الإدانة
شهدت الساحة الأكاديمية الدولية تصاعدًا في حركات المقاطعة وبيانات الإدانة، حيث وقع آلاف الأكاديميين على بيانات تطالب بوقف الإبادة ومحاسبة الاحتلال، مع الدعوة إلى قطع التعاون الأكاديمي مع الإسرائيليين[21].
وتجسّد الضغط في قرارات ملموسة، إذ علّقت جامعات ومراكز بحثية في أميركا اللاتينية وجنوب أفريقيا وأوروبا شراكاتها، في مؤشر على إدراك دور الجامعات الإسرائيلية ضمن المنظومة العسكرية.
وتعد المقاطعة الأكاديمية جزءًا أساسيًا من نشاطات حركة مقاطعة إسرائيل، وتلقى دعمًا واسعًا من مؤسسات تعليمية ونقابات واتحادات طلابية، بما فيها جامعة جوهانسبرغ، واتحاد نقابات العمال في جنوب أفريقيا، واتحادات طلابية في أيرلندا وبلجيكا والمملكة المتحدة.
وتقدم هذه الظاهرة دروسًا إستراتيجية لصانعي السياسات عن قدرة الحراك الأكاديمي العالمي على تشكيل ضغط أخلاقي وسياسي، والتأثير في الشراكات البحثية الدولية، بما يعزز المساءلة والالتزام بالقيم الإنسانية في التعليم والبحث.
سابعًا: الحركات الطلابية
نظّم الطلاب اعتصامات واسعة شملت نصب خيام داخل الحرم الجامعي، وتعطيل محاضرات، واقتحام مجالس الإدارة في جامعات كبرى مثل هارفارد وكولومبيا والسوربون وأوكسفورد، في مشهد يعكس تصاعد الحراك الطلابي عالميًا.
تحوّلت الجامعات إلى ساحات رمزية للمواجهة بين السلطة الأكاديمية والضمير الإنساني، خاصة في ظل الدعم الأميركي المتواصل للاحتلال، ما جعل الحرم الجامعي مساحة مركزية للصراع بين الموقف السياسي الرسمي والضغط الأخلاقي المتنامي.
ثامنًا: التضامن الثقافي والفني
استثمر الفنانون والشعراء والكتاب والأكاديميون الأدب والفن والموسيقى لتوثيق المعاناة الفلسطينية وتسليط الضوء على الانتهاكات. فقد شملت هذه الجهود تنظيم فعاليات خيرية عالمية، مثل حفل في قاعة ويمبلي بلندن جمع تبرعات لدعم منظمات إنسانية، إضافة إلى توقيع أكثر من 1800 فنان عالمي على مقاطعة المؤسسات السينمائية الإسرائيلية[22].
وشهدت الساحة الفنية مبادرات افتراضية شارك فيها فنانون من المغرب وفرنسا وروسيا والهند والعراق ولبنان وأذربيجان وإيران، لتوثيق المأساة الفلسطينية ونشرها على نطاق عالمي[23]، ما يعكس قدرة الفن والأدب على تجاوز الحدود الجغرافية والسياسية، ونقل الرسائل الإنسانية بشكل مؤثر.
أسباب ضعف الاستثمار في جهود التضامن الدولي مع فلسطين
أولًا: غياب هيكلية منظمة للضغط السياسي
يعد غياب هيكلية منظمة للضغط السياسي أحد أبرز أسباب ضعف الاستثمار في جهود التضامن، نتيجة تعدد الفاعلين وغياب التنسيق بينهم، ما يؤدي إلى تشتت الجهود وتقليل تأثيرها الإستراتيجي.
كما تفتقر بعض المبادرات إلى إستراتيجيات واضحة لتحديد الأولويات وقياس الأثر، أو التأثير على صانعي القرار الدوليين، إضافة إلى تحديات التمويل والاعتماد على دعم متقطع يحد من التخطيط طويل المدى. وقد أسهم هذا الفراغ الهيكلي في إضعاف قدرة الحراك التضامني على إحداث تغييرات ملموسة في السياسات الدولية، ما يبرز الحاجة إلى آليات تنسيق إستراتيجية توحّد الجهود وتبني عملًا أكثر استدامة.
ثانيًا: التشتت في الأهداف والخطاب
يُعاني الخطاب التضامني من تعدد مقاربات حركات التضامن، إذ يركز بعضها على العدالة التاريخية والبعض الآخر على حقوق الإنسان أو العدالة الاجتماعية العالمية. ويؤدي هذا التعدد إلى صعوبة ربط هذه الحملات بأهداف واضحة وإستراتيجية سياسية موحدة لدى الجمهور وصنّاع القرار. وأحيانًا يُستغل خطاب تصوير الفلسطينيين بأنهم “يقاتلون وحدهم” لإضعاف التضامن أو تشويه الحركة في الإعلام الغربي.
ثالثًا: الافتقار إلى إستراتيجيات طويلة المدى
يظهر التركيز على الفعاليات قصيرة المدى، كالمظاهرات أو الحملات على وسائل التواصل، وليس على برامج مستمرة، كدعم الحملات الأكاديمية أو المناهج الدراسية ومعسكرات دعم غزة، أو مشاريع مستدامة للتضامن المادي والمعنوي، ما يؤدي إلى إضاعة طاقة الناشطين، ويصبح التضامن مؤقتًا وغير قادر على خلق تغيير سياسي مستدام.
رابعًا: المحاولات المتعمدة لتقييد التضامن
أصدرت بعض الدول قوانين تعسفية ضد حركة المقاطعة وساهمت في حظر نشاطات التضامن، ما جعل من الصعب حماية أنشطة التضامن وتحويلها إلى ضغط سياسي، إضافة إلى تراجع كثير من الناشطين عن الاستثمار في جهود طويلة الأمد خوفًا من العقوبات القانونية أو الإجهاد المالي والاجتماعي.
خامسًا: غياب أدوات المتابعة والتقييم
في ظل غياب آليات واضحة لقياس مدى تأثير النشاط التضامني على صناع القرار أو سياسات الدول، يصعب تعلم الدروس أو تحسين الإستراتيجيات، فيصبح الاستثمار في الجهود أقل فاعلية ومردوده ضعيفًا.
سادسًا: تحديات الموارد البشرية والمالية
يعتمدُ غالبية الناشطين على العمل التطوعي، مع محدودية التمويل للمشاريع المستدامة أو الحملات الطويلة المدى، ما يصعب تمويل حملات ضغط سياسي، أو برامج تعليمية، أو مبادرات دولية متكاملة لدعم فلسطين.
سابعًا: ضعف الاستفادة من الأدوات القانونية والسياسية
على الرغم من وجود المحاكم الدولية والمنابر القانونية، فإن نقص الخبرة والتنسيق يمنع تحويل التضامن إلى ضغط قانوني ملموس ضد الاحتلال، ما يؤدي إلى تضييع فرص محاسبة مجرمي الحرب والاستفادة من العدالة الدولية.
ثامنًا: السياسات الاستعمارية الإسرائيلية
تعد السياسات الاستعمارية، بما فيها الاستيطان، والسيطرة على الموارد، والهيمنة على السرد الإعلامي، والضغط على التشريعات الدولية والمحلية، عقبة مركزية تحول دون ترجمة التضامن إلى تأثير سياسي ملموس، وتعيق تحقيق الحقوق الفلسطينية الأساسية، بما فيها السيادة والعودة والعدالة الدولية.
تاسعًا: قمع الأصوات المؤيدة لغزة
يشير تصاعد حالات الفصل والتحقيق مع الأكاديميين في الولايات المتحدة وألمانيا وفرنسا، بسبب دعمهم القضية الفلسطينية، إلى وجود ضغط سياسي واضح على الحريات الأكاديمية والتعبير الفردي.
شملت هذه الإجراءات أكاديميين بارزين، مثل تيفاني ويلوبي هيرارد في جامعة كاليفورنيا، ومحمد عبده في جامعة كولومبيا[24]، إلى جانب عشرات الأكاديميين الآخرين في العالم الذين يواجهون التعليق أو عدم تجديد عقودهم بسبب نشاطهم التضامني.
تعكس هذه الظاهرة توتر العلاقة بين الالتزام الأخلاقي للأكاديميين والمواقف الرسمية للمؤسسات، ما يطرح تحديات كبيرة لصون حرية البحث العلمي والتعبير. وهنا تبرز الحاجة لوضع سياسات أكاديمية تحمي حقوق العاملين في التعليم العالي من العقوبات التمييزية نتيجة مواقفهم الإنسانية والسياسية.
البدائل السياساتية
المعايير
المعقولية: درجة إمكانية تنفيذ البديل المقترح على أرض الواقع، مع الأخذ بعين الاعتبار الموارد المتاحة والقدرات والوقت، ومدى توفر الدعم السياسي أو المجتمعي.
المقبولية: مدى تقبل البديل من قبل البيئة الداخلية والخارجية، مثل صناع القرار، والمجتمع المدني، والأكاديميين، وحركات التضامن الدولية.
التكلفة: مقدار الموارد المالية والبشرية المطلوبة لتنفيذ البديل مقارنة بالفوائد المتوقعة.
المرونة: قدرة البديل على التكيف مع المتغيرات غير المتوقعة في الظروف السياسية والاقتصادية والمجتمعية في فلسطين وخارجها.
البديل الأول: الدبلوماسية الشعبية الفلسطينية المنظمة في الخارج
يقوم هذا البديل على بناء إطار منظم للدبلوماسية الشعبية يجمع الجاليات الفلسطينية والناشطين والمؤسسات الأهلية وحركات التضامن الدولية، بما يحوّل الوجود الفلسطيني في الخارج من نشاط تضامني موسمي إلى فعل سياسي منظم ومؤثر.
يرتكز هذا البديل على تنسيق العمل مع النقابات والجامعات والأحزاب ومنظمات المجتمع المدني في الدول المختلفة، وربط النشاط بالرواية الفلسطينية القائمة على القانون الدولي وحقوق الإنسان؛ بهدف التأثير في الرأي العام وصنّاع القرار خارج القنوات الدبلوماسية الرسمية.
ويبرز في هذا السياق نموذج السفير الفلسطيني في المملكة المتحدة حسام زملط الذي جمع بين الدبلوماسية الرسمية والتواصل المباشر مع الجاليات وحركات التضامن، ما أسهم في توسيع التأثير الفلسطيني داخل الأوساط الحزبية والبرلمانية والإعلامية. كما تمثل مبادرات “فلسطينيو الخارج” مثالًا على قدرة الجاليات الفلسطينية على القيام بدور ضاغط في دعم مسارات المساءلة القانونية الدولية.
يسهم هذا البديل في تعزيز التكامل بين العمل الرسمي والشعبي، وتحويل التضامن الدولي من تعاطف أخلاقي إلى ضغط سياسي منظم يخدم الأهداف الوطنية الفلسطينية.
محاكمة البديل
يُعد هذا البديل واقعيًا ومعقولًا؛ لأنه يعتمد على تنظيم الجاليات الفلسطينية وحركات التضامن ضمن إطار سياسي واضح، يحوّل التضامن الأخلاقي إلى ضغط سياسي منظم. ويتمتع بمقبولية مرتفعة لاعتماده أدوات سلمية وشرعية، وبمرونة تسمح بتكييفه مع السياقات السياسية المختلفة. أما من حيث التكلفة، فهي منخفضة إلى متوسطة مقارنة بعائده السياسي المحتمل، خصوصًا في بناء ضغط تراكمي طويل الأمد.
البديل الثاني: تطوير إستراتيجية إعلام ومناصرة دولية موجهة
يقوم هذا البديل على إنشاء وحدة إعلام دولي موحّدة ضمن إطار وطني فلسطيني، تعمل بخطط اتصال فعالة ورسائل موحدة وأدوات رقمية مبنية على بيانات موثقة، بهدف تحويل التعاطف الدولي إلى ضغط سياسي قابل للقياس.
ترتكز الإستراتيجية على ثلاث أدوات رئيسية:
حملات تأثير موجهة للنخب السياسية عبر إنتاج ملفات إعلامية وسياساتية قصيرة تُقدَّم للبرلمانات ومراكز الأبحاث والنقابات المهنية.
منصة رقمية دولية متعددة اللغات تقدم رواية فلسطينية موثقة وتربط الانتهاكات بمطالب سياسية محددة، مثل إنهاء الاستيطان وحماية المدنيين.
شراكات مهنية مع مؤسسات إعلامية وحقوقية دولية لإنتاج تقارير مشتركة عالية المصداقية تُستخدم مرجعًا لصنّاع القرار.
محاكمة البديل
يتميز هذا البديل بدرجة عالية من المعقولية؛ لأنه يقوم على بناء خطاب إعلامي مهني موحد قادر على تحسين صورة الرواية الفلسطينية، وتشكيل رأي عام ضاغط على صناع القرار. ويتمتع بمقبولية مرتفعة لأنه يعمل ضمن أدوات شرعية، مثل الإعلام والمناصرة والتوثيق، ما يجعله مقبولًا لدى المجتمع المدني والمؤسسات الإعلامية والأكاديمية.
ويتميز كذلك بمرونة عالية، إذ يمكن تكييف رسائله وفق تطورات السياق السياسي (حرب، تهدئة، مسارات قانونية). ويمكن تنفيذه بمستويات مختلفة من الموارد ودمجه بسهولة مع مسارات قانونية أو دبلوماسية أخرى.
البديل الثالث: تشكيل جماعات ضغط
يقوم هذا البديل على بناء جماعات ضغط داعمة للقضية الفلسطينية داخل الدول المؤثرة؛ بهدف إدراج القضية الفلسطينية في دوائر صنع القرار السياسي.
ينطلق هذا الخيار من أن التأثير في السياسات الخارجية للدول الكبرى لا يتحقق عبر الخطاب الأخلاقي فقط، بل من خلال أدوات مؤسسية قادرة على تحويل الرواية الفلسطينية إلى حجج قانونية وسياسية داخل البرلمانات ومراكز الأبحاث ووسائل الإعلام.
ويمكن تفعيل هذا البديل عبر:
دعم الأبحاث والدراسات في مراكز التفكير والأحزاب السياسية لتعزيز حضور القضية في نقاشات القانون الدولي وحقوق الإنسان.
إعداد مذكرات قانونية وأوراق سياسات تُقدَّم إلى البرلمانات والهيئات الرقابية.
تأهيل خبراء ومتحدثين للمشاركة في جلسات الاستماع والندوات ومتابعة مشاريع القوانين.
محاكمة البديل
يتمتع هذا الخيار بمقبولية سياسية نسبية لأنه يعمل ضمن الأطر القانونية للدول المستهدفة، ويتميز بمرونة قائمة على شبكات متعددة تشمل أكاديميين وناشطين وأبناء جاليات. غير أن تحقيق تأثير فعلي يتطلب موارد مالية كبيرة وتنظيمًا مؤسسيًا واستثمارًا طويل الأمد في العلاقات والشبكات، ما يجعل كلفته مرتفعة مقارنة بالبدائل الأخرى.
يقترح هذا البديل بناء تحالف سياسي يضم الدول الأكثر دعمًا للقضية الفلسطينية؛ بهدف تشكيل كتلة ضاغطة توفر حماية سياسية وقانونية للقضية خارج الأطر الدولية التقليدية.
محاكمة البديل
يفتقر هذا البديل إلى المعقولية في الظرف الفلسطيني الراهن بسبب غياب السيادة الكاملة، والقدرة على بناء تحالفات رسمية ملزمة. كما أن الدول الداعمة للقضية الفلسطينية تفضّل غالبًا إبقاء دعمها ضمن الأطر الدبلوماسية في الأمم المتحدة، من دون الانتقال إلى تحالفات سياسية تحمل تبعات اقتصادية أو إستراتيجية كبيرة. وعلى الرغم من قوة هذا البديل النظرية، فإن تكلفته السياسية مرتفعة واحتمالات تحقيقه محدودة في المرحلة الحالية.
| توزيع الأدوار المؤسسية للفاعلين ضمن البدائل المقترحة | |||
| السلطة الفلسطينية | الأحزاب السياسية | المجتمع المدني | النخب الأكاديمية والثقافية |
| البديل الأول: الدبلوماسية الشعبية الفلسطينية المنظمة في الخارج | |||
|
|
|
|
| البديل الثاني: تطوير إستراتيجية إعلام ومناصرة دولية موجهة | |||
|
|
|
|
| البديل الثالث: تشكيل جماعات ضغط | |||
|
|
|
|
| البديل الرابع: التحالفات الإستراتيجية الموازية | |||
|
|
|
|
عند النظر إلى البدائل المطروحة، يظهر تفاوتًا واضحًا في واقعيتها، وإمكانية تطبيقها في الظرف الفلسطيني الراهن، فبعضها يبدو مقنعًا نظريًا، لكنه يصطدم بكلفة مرتفعة أو بشروط غير متوفرة.
يبرز بديلان أكثر واقعية وقابلية للتنفيذ، يتمثل الأول في الدبلوماسية الشعبية المنظمة، إذ ينطلق من واقع قائم يتمثل في الجاليات الفلسطينية وحركات التضامن الدولية، ولا يتطلب قرارات سيادية أو موارد كبيرة، بل يحتاج إلى تنظيم وتنسيق أفضل، إضافة إلى كونه مقبولًا سياسيًا ويعتمد أدوات سلمية وقانونية منخفضة الكلفة نسبيًا. ويبرز إلى جانبه بديل إستراتيجية الإعلام والمناصرة الدولية، التي تستفيد من التحول الرقمي واتساع الفضاء الإعلامي لتثبيت الرواية الفلسطينية وتحويل التعاطف الشعبي إلى مواقف سياسية أكثر وضوحًا.
يبدو الجمع بين هذين البديلين الأكثر جدوى في المرحلة الحالية، إذ توفر الدبلوماسية الشعبية الحاضنة التنظيمية والبشرية، في حين يمنحها الإعلام والمناصرة أدوات التأثير والانتشار، ما يعزز الفاعلية، ويحوّل الجهود الفلسطينية في الخارج إلى عمل منظم بدل بقائها مبادرات متفرقة.
في المقابل، يصعب تحقيق بديل جماعات الضغط نظرًا إلى حاجته لموارد مالية ونفوذ سياسي. ويظل خيار بناء تحالفات سياسية موازية الأقل واقعية في ظل محدودية القدرة الفلسطينية واستعداد الدول لتحمل تبعات سياسية واقتصادية واسعة.
** ما يرد في هذه الورقة من آراء تعبر عن رأي معدّيها، ولا تعكس بالضرورة موقف مركز مسارات والصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي
[1] إسبانيا تعلن حظرًا على تصدير الأسلحة إلى إسرائيل وحظر دخول “مروجي الإبادة الجماعية”، كتلان نيوز، 8/9/2025: https://2u.pw/dZnGjq
