يمرّ لبنان بمرحلة شديدة الحساسية تتقاطع فيها الأزمات المالية المتراكمة مع تصاعد التوترات في الإقليم، ما يضع اقتصاده أمام تحديات معقّدة وغير مسبوقة. فبعد سنوات من الانهيار النقدي وتراجع الثقة بالقطاع المصرفي واهتزاز الاستقرار المالي، تأتي التطورات الأمنية في المنطقة لتضيف ضغوطًا جديدة على بلد لم يستكمل بعد مسار التعافي الاقتصادي أو تنفيذ الإصلاحات البنيوية المطلوبة. وفي ظل هذا الواقع المعقّد، يصبح الاقتصاد اللبناني أكثر هشاشة أمام أي صدمة خارجية، سواء كانت عسكرية أو مرتبطة بأسعار النفط أو بالتقلبات المالية في المنطقة.
لطالما شكّلت التحويلات المالية التي يرسلها اللبنانيون العاملون في دول الخليج ركيزة أساسية في دعم الاقتصاد المحلي. فآلاف العائلات تعتمد على الأموال التي يرسلها أبناؤها من الخارج لتغطية نفقات المعيشة والتعليم والاستشفاء. ولا تقتصر أهمية هذه التحويلات على بعدها الاجتماعي، بل تمثل أيضًا مصدرًا مهمًا للعملة الصعبة وتساهم في تحريك عجلة الاستهلاك داخل الأسواق. غير أن أي تصعيد عسكري واسع في المنطقة قد ينعكس على الاستقرار الاقتصادي في دول الخليج أو على أوضاع العمالة الأجنبية فيها، ما قد يؤدي إلى تراجع هذه التدفقات المالية. وفي حال حدث ذلك، سيفقد لبنان أحد أبرز مصادر العملات الأجنبية، وهو ما سينعكس مباشرة على حجم الاستهلاك والنشاط التجاري في الداخل.
تراجع السيولة والقدرة الشرائية سيؤثر سريعًا على عدد من القطاعات الحيوية في الاقتصاد. فتجارة السيارات، التي تعتمد إلى حد كبير على أموال المغتربين والتحويلات الخارجية، قد تشهد تباطؤًا واضحًا في المبيعات. كذلك سيتأثر قطاع الألبسة والتجزئة الذي يتفاعل بسرعة مع أي تراجع في الإنفاق الاستهلاكي. أما سوق العقارات وبيع الشقق، المرتبط تاريخيًا باستثمارات اللبنانيين في الخارج، فقد يواجه ركودًا إضافيًا في ظل تراجع القدرة الاستثمارية. كما ستتأثر مجموعة واسعة من الأنشطة الاقتصادية مثل المطاعم والمقاهي وشركات السياحة وخدمات النقل والورش الصناعية والمهن الحرة، وجميعها تعتمد في حركتها على مستوى السيولة المتداولة ونشاط السوق.
ولا يظل الركود في هذه القطاعات محصورًا ضمنها، بل يمتد إلى شبكة واسعة من الأنشطة المرتبطة بها، مثل النقل والخدمات اللوجستية والإعلانات والمهن الحرة والعمالة اليومية. ومع كل تراجع في المبيعات تنخفض الأرباح، ما يدفع المؤسسات إلى خفض الرواتب أو تقليص الوظائف، الأمر الذي يخلق حلقة انكماشية تؤثر تدريجيًا على كامل الدورة الاقتصادية.
وفي حال توسّع الصراع على المستوى الإقليمي، من المرجّح أن تشهد الأسواق العالمية ارتفاعًا في أسعار النفط. وبما أن لبنان يعتمد بالكامل على استيراد المحروقات، فإن أي زيادة في الأسعار العالمية ستنعكس فورًا على أسعار البنزين والمازوت وكلفة الكهرباء والنقل. هذا الارتفاع لن يزيد فقط من كلفة المعيشة، بل سيؤدي فعليًا إلى تآكل قيمة الرواتب، خصوصًا أن الأجور في القطاعين العام والخاص لم تواكب الزيادات المتتالية في الأسعار. كما سترتفع كلفة الإنتاج على المصانع والتجار، ما يدفعهم إلى رفع أسعار السلع، الأمر الذي يؤدي إلى ارتفاع معدلات التضخم وتراجع القدرة الشرائية أكثر.
إلى جانب ذلك، فإن أي تصعيد عسكري في المنطقة يؤدي عادة إلى ارتفاع كلفة التأمين على الشحن البحري والجوي، ويزيد من المخاطر المرتبطة بالاستثمار والتجارة. كما قد يتعرض القطاع السياحي، الذي غالبًا ما يشكّل فرصة موسمية لإنعاش الأسواق خلال فصل الصيف، لضربة قاسية إذا تراجع عدد الزوار نتيجة المخاوف الأمنية.
في ضوء كل ذلك، يقف لبنان اليوم أمام مفترق دقيق، إذ تتزامن أزمة اقتصادية داخلية عميقة لم تُعالج جذورها بعد مع اعتماد كبير على التحويلات الخارجية وتوترات إقليمية قد تدفع أسعار النفط إلى الارتفاع وتؤدي إلى تراجع التدفقات المالية. وأي تصعيد في هذه الظروف لن يقتصر أثره على الجانب الأمني فقط، بل سيمتد مباشرة إلى دخل العائلات اللبنانية وإلى قطاعات السيارات والعقارات والتجزئة وسائر الأنشطة الاقتصادية، ليطال في نهاية المطاف كامل الدورة الاقتصادية في البلاد
جوزيف عنتر اقتصاد لبنان على حافة انكماش أعمق
1
المقالة السابقة
