عروبة الإخباري –
حين تنفتح أمامك كلمات الإعلامية آمال فقيه، تشعر وكأنك تقف على حافة أسطورة أزلية، حيث تمتزج الأرض بالملحمة، والسماء بالشرف، والقلب بالشجاعة التي لا تعرف الانكسار. هنا، في قلب الجنوب اللبناني، يُولد كل صباح جديد من رحم الصمود، وتتحول البيوت المتواضعة إلى قصور من العزة، والمائدات البسيطة إلى معابد للكرم، والقلوب العادية إلى أساطير حية لا تهزمها الرياح ولا يطمرها الزمن.
آمال فقيه لم تكتفِ بوصف الواقع، بل رسمت لنا صورة شعبٍ لم يعرف الخوف، شعبٍ جعل من الكرامة سيفًا، ومن العطاء درعًا، ومن الحياة اليومية ملحمة تتحدى الغدر. هؤلاء الناس، الذين غدرت بهم الدنيا، لم ينهزموا، بل أصبحوا أبطالًا في سرد الإنسانية، أسطورة تضيء الطريق لكل من ينسى معنى الشرف والوفاء.
هؤلاء الناس جاؤوا من قرى حيث تصنع الشمس الذهب على أسطح البيوت، لكن الذهب الحقيقي كان في القلوب، في الطيبة، في الكرامة التي تُترك مفاتيحها على الأبواب، ليست مجرد أشياء معدنية، بل رموز للحريّة والوفاء. بيتهم لم يكن ملكًا لهم وحدهم، بل كان قلعة للآخرين، مأوى للمحتاجين، مأساةً للغدر، وملحمة للعطاء.
في الجنوب، الغرف ليست مجرد مساحات فارغة، بل غرف مؤونة تشبه خزائن الأساطير، محملة بالحب والحبوب، تنتظر أن تنتشر على القرى الأخرى، كأن كل حبة رز فيها رسالة تقول: “خذ، لكن لا تسرق الكرامة”. والمائدة؟ المائدة هناك ليست مجرد طعام، بل طقس مقدس: ثلاث طبخات، أو أربع، تكفي الجميع، وتترك دائمًا متسعًا للضيف الذي لم يأت بعد، فالخير يسبق الطلب كما يسبق الفجر الليل.
آمال فقيه لم تصف هؤلاء فقط كنازحين أو ضحايا، بل كبطولة الحياة اليومية، أبطال قصص ملحمية قد تُروى في حضائر الأساطير، حيث الشرف لا يُقاس بالسيوف، والكرم لا يُقاس بالذهب، بل بالقدرة على العطاء في أصعب اللحظات، بالوقوف شامخين في وجه الظلم، وبأن يبقى القلب نابضًا بالحب حتى لو كان العالم غادرًا.
لقد غدرت بهم الدنيا، نعم، لكنهم لم يغدروا بها أبدًا، لم يسرقوا أحدًا، لم يلينوا، ولم يفقدوا شيء من عظمتهم الأخلاقية. النوم على الأرض، على شواطئ البحر، في الخيام، لم يطفئ شعلة الإنسانية فيهم، بل أضاءتهم كالشمعة في العتمة، كالنجمة التي تقود السفن الضائعة، كالملحمة التي تُحكى على مر العصور.
كل كلمة من كلمات فقيه هي نصل من ذهب، كل جملة هي قوس مشدود يطلق سهام الحقيقة في قلب القارئ. هي تحيي فينا أسطورة الجنوب اللبناني، تجعلنا نشهد على مجد أناس لا تنقصهم الكرامة، أناس يخلقون من الفقر قوة، ومن المصاعب تاجًا، ومن الظلم نصًا خالدًا في سجل الإنسانية.
في جنوب لبنان، تصبح الأرض رمزًا للوفاء، والماء والخبز رموزًا للكرامة، وكل قلب نابض يروي قصة أسطورية، وكل بيت يحكي ملحمة، وكل مائدة تشع نورًا يعلّم العالم معنى العطاء. إنه الجنوب الذي لا يُقهَر، الجنوب الذي يجعل من كل محنة نصًا للأجيال، الجنوب الذي يعلّم أن الكرم والكرامة أعظم من كل السيوف، وأن الإنسان الذي يعطي من قلبه لا يعرف الهزيمة.
وهكذا، بفضل قلم آمال فقيه، لم يعد الجنوب اللبناني مجرد مكان، بل صار أسطورة حية، نصًا ملحميًا خالدًا، شعلةً تضيء للعالم أن الإنسانية الحقيقية لا تموت، وأن الكرم والوفاء يمكن أن يبقيا أسطوريين إلى الأبد، مهما غدرت بهم الدنيا.
