عروبة الإخباري –
نعم تبًّا للحرب…
تبًّا للحرب… تلك التي لا تكتفي بابتلاع المدن وإحراق الجغرافيا وابتزاز الأرواح، بل تمدّ مخالبها الثقيلة وأصابعها الخشنة لتخنق حتى الكلمات قبل أن تولد، ولتغتال المساحات القليلة التي ما زال الضوء يتنفس فيها.
وفي كلّ رمضان، كان القرّاء يترقّبون مقالات “خلطة فلك” للكاتبة الدكتورة العلامة، فلك مصطفى الرافعي، كما يترقّب الظمآن قطرة ماء في صحراء يلفّها الضجيج، فما كانت تكتب العلامة الأسطورة، فلك، من مقالات تحت عنوان “خلطة فلك” لم تكن كلماتٍ عابرة تمرّ على العين ثم تمضي، ولا سطورًا تُقرأ ثم تتلاشى، بل كانت ومضاتٍ من ضياء؛ شذرات نور ودررًا مكنونة تنبثق من عمق الروح، تتسلل إلى القلب لتوقظ فينا إنسانيتنا، وتلمع في العتمة لتهمس لنا بأن هذا العالم—رغم قسوته وجراحه—ما زال قادرًا على أن يلد لحظات صفاء، وأن يترك في القلب فسحةً للأمل، وبذرة إنسانية لم تمت.
تبًّا لها حين لا تكتفي بابتلاع المدن، بل تمتدّ يدها القاسية لتخنق حتى الكلمات.
لكن الحروب…
هذه الآلة العمياء التي لا تشبع، لا تكتفي بهدم الحجر والبشر، بل تسرق أيضًا المساحات التي يولد فيها الجمال.
حين تشتعل الجبهات، وتعلو أصوات المدافع، يتراجع صوت الحكمة. تتكدس العناوين بالبارود، وتغرق الصفحات في لغة الصراع، بينما الكلمات الهادئة – تلك التي تُنقذ الروح من القسوة – تُدفع إلى الهامش، أو إلى الصمت.
تبًّا للحرب…
لأنها لم تحرمنا فقط من الأمن، بل حرمتنا حتى من لحظة صفاء نقرأ فيها كلمة تشبه صلاة.
لقد كانت مقالات “خلطة فلك” أشبه بنسمةٍ تمرّ فوق ضجيج الأيام، فهي كلمات لا تصرخ لكنها تُوقظ، لا تُثير الفوضى لكنها تُعيد ترتيب القلب. كانت تذكيرًا بسيطًا بأن رمضان ليس مجرد صومٍ عن الطعام، بل صومٌ عن القسوة، عن الغضب، عن الضجيج الذي يأكل إنسانيتنا.
واليوم، حين يغيب ذلك الصوت وسط عاصفة الأخبار، ندرك فجأةً كم كانت تلك الكلمات ضرورية…
وكم كان العالم بحاجةٍ إلى هذا الضوء الصغير.
لكن الحقيقة التي لا تفهمها الحروب هي هذه: الكلمات الصادقة لا تُقتل.
قد تُحاصرها الضوضاء، قد تُؤجلها العواصف، لكنها تبقى كامنةً مثل شرارة تحت الرماد. تنتظر لحظة الهدوء… ثم تعود لتشتعل من جديد.
ولهذا، ورغم كل شيء، سيبقى القلم أقوى من الصمت،
والفكرة أعمق من المدفع،
والكلمة الصادقة أطول عمرًا من الحرب نفسها.
تبًّا للحرب…
لأنها تحاول إطفاء الضوء.
لكن الضوء الحقيقي… لا ينطفئ.
