في ظل التصعيد العسكري في المنطقة وارتفاع مستوى عدم اليقين في الأسواق العالمية، يصبح التفكير في إجراءات عملية لتحصين الاقتصاد الأردني ضرورة ملحّة، خصوصاً في القطاعات الحيوية المرتبطة مباشرة بالأمن الاقتصادي مثل الطاقة وسلاسل التوريد والأمن الغذائي. فالاقتصادات الأكثر قدرة على الصمود هي تلك التي تستعد مبكراً للسيناريوهات غير المتوقعة. لذلك في هذا التوقيت الحرج من المهم التفكير والعمل على ثلاث محاور أساسيه.
المحور الاول تحصين قطاع الطاقة والكهرباء، فقطاع الطاقة الأكثر حساسية لأي اضطراب إقليمي، نظراً لاعتماد الأردن الكبير على واردات الوقود. التقديرات تشير إلى أن مخزون الغاز الطبيعي المسال في العقبة يكفي لفترة ليست بالطويله بعد انقطاع الإمدادات، ما يعني أن استمرار الأزمة لفترة أطول سيجبرالمملكة على شراء الغاز من الأسواق الفورية بأسعار مرتفعة.
وبحسب مختصين فإن هذا التحول يعني ضغوطاً مالية مباشرة على الخزينة، إذ قد تتحمل الحكومة خسائر تصل إلى نحو 5.6 مليون دولار يومياً، أي ما يقارب170 مليون دولار شهرياً إذا ما استمرت أسعار الغاز المسال عند مستوى يقارب 24 دولاراً للمليون وحدة حرارية. أما في حال اللجوء إلى توليد الكهرباء باستخدام الديزل، فإن الكلفة ستكون أعلى. وتظهر هنا أهمية تطوير مصادر الطاقة المحلية في هذا السياق، إذ إن محطة الصخر الزيتي بديل مهم يخفف من الضغط على استيراد الغاز. بناء على ذلك، فإن أحد أهم الإجراءات الممكنة يتمثل في تسريع التوسع في مشاريع الطاقة المحلية، خصوصاً الصخر الزيتي والطاقة المتجددة، إلى جانب زيادة المخزون الاستراتيجي من الغاز والمشتقات النفطية وتوسيع قدرة التخزين في العقبة.
المحور الثاني تعزيز الأمن الغذائي وسلاسل التوريد، إلى جانب الطاقة، تشكل سلاسل الإمداد الغذائية أحد أعمدة الاستقرار الاقتصادي. وتشير البيانات إلى أن الأردن يمتلك مخزوناً من القمح والشعير يكفي لفترة تتراوح بين 10 و12 شهراً، ما يوفر هامش أمان مهم في حال حدوث اضطرابات في التجارة العالمية. كما أن السلع الغذائية الأساسية متوافرة بكميات تكفي الاستهلاك لأكثر من 6 أشهر. ومن المهم للمحافظه على هذا الاستقرار تنويع مسارات الاستيراد، حيث يعتمد الأردن بشكل أساسي على البحر الأحمر إلى جانب النقل البري، ما يقلل من الاعتماد المباشر على مضيق هرمز.
لكن استمرار الحرب لفترة طويلة قد يؤدي إلى ارتفاع كلف النقل والشحن والتأمين أكثر، إذ تشير بعض التقديرات إلى أن كلف الشحن عبر البحر الأحمر وباب المندب قد ترتفع بنسبة تصل إلى50 بالمئة إذا استمرت التوترات لأكثر من شهر. ولذلك فإن من بين الإجراءات الضرورية تعزيز التخطيط اللوجستي المرن الذي يربط بين النقل البحري والبري، وتوسيع شبكة الموردين الدوليين، إضافة إلى تطوير المخزون الاستراتيجي وتحويله إلى سياسة دائمة وليس إجراء مؤقتاً. كما يمكن دعم الإنتاج الزراعي المحلي والصناعات الغذائية لتقليل الاعتماد على الاستيراد ووقف التصدير لبعض المنتجات الزراعية حالياً، خاصة أن الأردن ما يزال يستورد مواد غذائية أساسية بقيمة تتراوح بين 4 و5 مليارات دولار سنوياً.
المحور الثالث هوالاستعداد للصدمات التضخمية العالمية، ففي ظل التوترات الجيوسياسية، ترتفع احتمالات حدوث موجة تضخمية عالمية. وقد حذرت مديرة صندوق النقد الدولي من أن كل زيادة بنسبة10 بالمئة في أسعار النفط قد تؤدي إلى ارتفاع التضخم العالمي بنحو40 نقطة أساس. وهذا يعني أن ارتفاع أسعار النفط إلى مستويات قد تتجاوز 120 دولار للبرميل في حال تعطلت الملاحة في مضيق هرمز قد ينعكس على أسعار السلع والطاقة عالمياً.بالنسبة للأردن، فإن مثل هذا السيناريو قد يرفع كلف الطاقة بنسبة تتراوح بين 20 و30 بالمئة، ما سيزيد الضغوط على الموازنة العامة ويؤثر على كلف الإنتاج والتنافسية.
إجمالاً تشير المؤشرات الحالية إلى أن الاقتصاد الأردني يمتلك قدراً معقولاً من المرونة بفضل المخزون الاستراتيجي من السلع الأساسية وتنوع مسارات الاستيراد. لكن استمرار التوترات الإقليمية يفرض التحرك بسرعة لتعزيز مناعة الاقتصاد. ويتمثل ذلك في ثلاثة مسارات رئيسية: تسريع تطوير مصادر الطاقة المحلية، توسيع المخزون الاستراتيجي وتنويع سلاسل التوريد، وتعزيز الإنتاج المحلي في الغذاء والصناعة. فكلما ارتفعت قدرة الاقتصاد على الاعتماد على موارده الداخلية، تراجعت درجة تعرضه للصدمات التي قد تفرضها التحولات الجيوسياسية في المنطقة.
