عروبة الإخباري –
جريدة البلاد البحرينية –
يختار البعض تشييد حصن منيع من العزلة، إيماناً منه بأن إيصاد الأبواب وتجنب التفاعلات الجماعية سيضمن لهم حياة من السلام الداخلي .
إنها لحظة الانكفاء على الذات، لا كراهيةً في الآخرين بالضرورة، بل محاولة لترميم ما أفسده ضجيج العالم وصخبه. تبدو هذه الرحلة للبحث عن السلام النفسي، الذي لا يبدو إلا في حضرة الذات، كأنها ملاذ آمن. لكن للقدر طرقاً أخرى لتدبير الأحداث، فالأذى ليس بالضرورة شخصاً يطرق بابك، بل هو أحياناً إرث من العلاقات المفروضة يقتحم عزلتك المحصنة، ليحول هدوءك المنشود إلى مواجهة حتمية مع واقع لا يستأذن أحدا،
رغم كل ما اتخذته من تدابير وقائية.
تتجلى هذه الجدلية الحياتية بشكل بديع في رواية “عزلة صاخبة جداً” للكاتب التشيكي بوهوميل هرابال. يقدم لنا المؤلف شخصية “هانتا”، الذي قضى خمسة وثلاثين عاماً في قبو معتم، يهرس الكتب القديمة والمخطوطات الثمينة بقوة آلة ضاغطه .
هانتا ليس مجرد عامل، بل هو إنسان اختار طواعية أن يعيش حياة أحادية البعد في عزلته، صانعاً لنفسه عالماً خاصاً في ذلك القبو، يضج بالأفكار والقصص التي جمعها من الكتب قبل أن تلتهمها الآلة. لقد رأى في هذا الحبس الاختياري عالماً أسطورياً، يبعده عن إكراهات الحياة الخارجية وضجيج شوارع براغ.
تكمن المأساة في قناعة هانتا بأن حواجزه الثقافية وابتعاده عن الآخرين سيوفران له الحماية المطلقة. غير أن الأذى لم يأتِ من مصدر متوقع، بل كان نتيجة غزو الآلة وتحول الأنظمة الشمولية. ظهر جيل جديد من العمال ترافقه آلات عملاقة “لا تقرأ”، تحطم الورق بسرعة فائقة دون أدنى اكتراث بالروح أو المعرفة المحتواة بين الصفحات. كان الأذى هنا هو تدمير الغاية والمعنى الذي عاش هانتا لأجله، واختراقاً لجدار السلام الذي بناه عبر سنوات طويلة من القراءة والوحدة.
عند إسقاط هذه الفكرة على يومياتنا ، نصل إلى إدراك صادم: العزلة لا تقدم ضمانة ضد الأذى. قد يعيش المرء وحيداً، منقطعاً عن الصراعات البشرية، ومكتفياً بحدود عالمه الضيق، لكن الأذى قد يأتي في شكل التزامات جبرية وروابط لا مفر منها، تماماً كقرابة أسرية مزعجة أو واقع اجتماعي يقتحم خلوة الإنسان دون رغبة منه. وكما يقول هانتا في الرواية: “نحن أشبه بحبات الزيتون، لا نخرج أفضل ما لدينا إلا حين نُسحق”. تشير هذه المقولة إلى أن الأذى، رغم محاولات تجنبه، قد يكون الآلية الضرورية التي ينكشف من خلالها الجوهر الإنساني.
إن السلام النفسي الحقيقي لا ينبع من القدرة على الانسحاب والاختباء خلف الجدران،
بل من القدرة على التعايش مع تلك القوى التي تطاردنا وتكدر صفونا حتى في أكثر لحظات العزلة انكفاءً.
وحين يظهر المرء جلادة في الانحياز لصوته الداخلي دون تقديم تبريرات لإقناع الآخر، يتحول مفهوم العزلة إلى موقف رصين يعجز الأذى معه عن اختراق سيكولوجية تصالحت مع ذاتها، وأبت أن تكون مجرد صدى لرغبات غيرها. وهكذا، يستحيل السلام استحقاقاً ذاتياً لا تمليه الظروف الخارجية لعالم لا يكف عن الضجيج!
