بينما تنشغل شاشات الرادار بتتبع مسارات الصواريخ الباليستية في سماء الشرق الأوسط، تدور في الغرف المغلقة معركة من نوع آخر؛ يمكن أن يطلق عليها معركة “البقاء الاقتصادي”.
فالصراع بين طهران وتل أبيب وواشنطن، لم يعد يبدو مجرد جولة عسكرية عابرة، بل تحول إلى زلزال جيوسياسي واسع، امتدت ارتداداته لتضرب أسواق الطاقة، وسلاسل الإمداد، لتعيد طرح أسئلة قديمة حول أمن الطاقة واستقرار الاقتصاد الدولي.
في قلب هذا المشهد المضطرب، يجد الأردن نفسه في “عين العاصفة” جغرافيًا واقتصاديًا. فمع إعلان انقطاع الغاز القادم من حقول شرق المتوسط نتيجة العمليات العسكرية، انتقلت الحكومة من استراتيجية تنويع مصادر الطاقة إلى “خطة الطوارئ القصوى”.
لم يكن التحول السريع نحو استخدام الديزل والوقود الثقيل في محطات التوليد مجرد قرار فني، بل كان خيارًا اضطراريًا باهظ الثمن، حيث كشفت الأرقام الرسمية عن كلفة إضافية تقترب من مليوني دينار يوميًا لضمان استمرار التيار الكهربائي.
هذه التطورات تضع ضغوطًا إضافية على الموازنة العامة، خصوصًا مع ارتفاع المخاطر المرتبطة بتعطل الممرات الجوية والبحرية، ما يضع صانع القرار أمام معادلة معقدة بين الحفاظ على استقرار الأسعار محليًا ومواجهة موجات التضخم العالمية المتسارعة.
وفي هذا السياق، يعود إلى الواجهة أهمية البحث عن بدائل طاقة أكثر استدامة وأقل عرضة لمخاطر التوترات الإقليمية، وهو ما يعيد الزخم الاقتصادي والسياسي إلى ضرورة الاستثمار في حقل الريشة، إضافة إلى التوسع في مشاريع الطاقة المتجددة بوصفها خيارًا استراتيجيًا لا يحتمل التأجيل.
غير أن التحديات لا تقف عند حدود الأردن. فالأحداث الإقليمية المتسارعة تهدد الاستقرار الاقتصادي العالمي، لا سيما إذا ما تعرض أحد أهم شرايين التجارة والطاقة في العالم للاضطراب، مثل مضيق هرمز.
لقد تحول مضيق هرمز من ممر مائي حيوي إلى ساحة مواجهة كبرى، أدت إلى تعطّل جزئي وتردد بعض الشركات الشحن بالمرور عبره. كما أسعار خام برنت تجاوزت حاجز الـ 80 دولارًا ورغم ذلك لم تعد القضية مجرد ارتفاع أسعار؛ بل أزمة ثقة متزايدة في أمن الملاحة البحرية.
كما أن شركات التأمين العالمية قام بعضها بإلغاء وثائق موقتًا لإعادة التسعير، والبعض رفع الأسعار وتكاليف التأمين على السفن بشكل كبير، لقد باتت كلفة الشحن تعادل أضعاف قيمتها السابقة.
إن التصعيد العسكري يجعل الشرق الأوسط أمام معضلة تاريخية. فكل ضربة تشكل تهديدات، ومخاطر محتملة لخطوط إمداد الطاقة، وهو ما يجعل الاقتصاد امام تحديات محتملة في ظل الظروف الراهنة اولها حدوث موجات تضخمية عاتية في موانئ العالم، ارتفاع أسعار الطاقة والسلع عالميًا، ارتفاع أسعار النفط، زيادة تكاليف الشحن والتأمين.
وبطبيعة الحال، فإن موقع الأردن في قلب الشرق الأوسط يجعله من أكثر الدول تأثرًا بهذه التحديات. فما يجري اليوم يتجاوز كونه مجرد تداعيات لحرب عابرة، بل يمثل مرحلة مخاض صعبة لواقع اقتصادي وسياسي حرج.
وفي ظل هذه التطورات يحاول الأردن جاهدا تقليل تأثير الأزمات الإقليمية بما عرف عنه من مرونة سياسية، وقدرة على امتصاص الصدمات عبر القيام بتنفيذ سياسات اقتصادية مثل محاولة تعزيز المخزون الاستراتيجي وتأمين خطوط الإمداد البديلة، غير أن استدامة هذه الجهود تظل رهينة بقدرة المجتمع الدولي على كبح التصعيد، قبل أن تتحول تداعيات الحرب إلى ضغوط اقتصادية أعمق قد تمس استقرار المنطقة بأسرها.
الأردن يعتمد على استقرار سلاسل الإمداد الإقليمية وعلى بوابته البحرية في العقبة لتأمين احتياجاته، وبالتالي فإن التحدي لا يكمن فقط في مواجهة تداعيات الأزمات، بل في مواصلة بناء سياسات قادرة على امتصاص الصدمات وتعزيز الاستقلالية الاقتصادية.
في عالم تتشابك فيه الجغرافيا السياسية مع أسواق الطاقة، يبقى نجاح الأردن مرهونًا بقدرته على تحويل مرونته التقليدية إلى استراتيجية مستدامة تضمن الاستقرار في منطقة لا تزال تعج بالاضطرابات.
حمى الله الأردن
