قانون الضمان ليس قانوناً عادياً، بل هو أحد أهم القوانين الاقتصادية في الدولة لأنه يحدد مستقبل النظام التأميني لملايين الأردنيين، لذلك من المفترض أن يرتبط أي حوار قادم مباشرة بقضايا الاستدامة المالية للنظام التأميني ومدى فاعلية الحماية الاجتماعية، والحقوق المكتسبة للمشتركين. وعليه من المهم أن يكون محورالنقاش القادم في مجلس النواب حول نقاط ثلاث محورية: أولاً، الاستدامة المالية، ثانياً، العدالة بين المشتركين، ثالثاً، الشمول وكفاءة التطبيق للسياسات والاجراءات التي سيتم تعديلها، جملة من القضايا من التي ممكن ان تأخذ نصيباً وافراً في الحوارات القادمة.
أول القضايا تتعلق بالدراسة الاكتوراية وما اذا كانت تتضمن دراسة “تحليل حساسية” لبدائل مختلفة من الفئات العمرية التي يمكن أن يشملها القانون المعدل، خاصة من تجاوزا نصف مدة اشتراكاتهم سواءً الوجوبي أو المبكر! وهو عنصر أساسي لضمان حماية الحقوق المكتسبة قبل تعديل أي قانون (وأتساءل لماذا ليس قانون جديد علماً بان التعديل يطال ما يقارب 60% من القانون الحالي؟).
ويتصل بذلك موضوع العدالة بين المشتركين وحماية المراكز القانونية للقريبين من استحقاقتهم التأمينية وتأثير معادلة الاحتساب ونسب الخصم على من أمضوا سنوات طويلة كمشتركين. فهل تم إجراء “تحليل حساسية” لدراسة سيناريو استثناء من أتم 180 اشتراك (15 سنة) مثلاً من أي تعديل وشمول من لديهم 120 اشتراك (10 سنوات) أو أقل والتدرج بالمدة الزمنية لمن يقعوا ما بين 120 و180 اشتراك؟ وما أثر هذا السيناريو على المركز المالي للمؤسسة والاستدامة المالية لها؟ فأحد أهم النقاط التي ستأخذ وقتها في الحوار هو موضوع التقاعد المبكر ورفع سن التقاعد الوجوبي، والعدد الإجمالي للمتقاعدين مبكراً سنوياً وتأثير التقاعد المبكر على سيولة المؤسسة واستدامتها!.
يبرز أيضاً موضوعان ذوا أهمية في مشروع القانون المعدل، أولاً عدم شمول العاملين في المنشآت الصغيرة التي تشغل خمسة عمال فأقل ضمن الحماية التأمينية، إذ أن حرمان هذه الفئة لمدة عام من تأمين الشيخوخة والعجز والوفاة يضعف الحماية الاجتماعية لهم ويؤثر على إيرادات الضمان المتعلقة بصندوق التعطل عن العمل، خاصة أن مظلة الضمان الاجتماعي تشمل حالياً حوالي 65% فقط من المشتغلين بالمملكة في القطاع المنظم، ورفع نسب الشمول والتغطية يجب أن يكون أحد المبررات الاساسية لتعديل القانون. وفي سياق مشابه، يثير فرض اشتراك إضافي بنسبة 1% على العاملين في المهن الخطرة جدلاً حول عدالة هذا الاجراء والتعويض المناسب عن المخاطر المرتبطة بهذه المهن والكلف التي ستنتج عن هذه الزيادة!.
أما الاستدامة المالية للنظام التأميني فيجب أن يأخذ حقه في الحوار القادم، والذي أساسه مجموعة من النقاط الاساسية بالغة الاهمية، فالنفقات التأمينية وصلت إلى حوالي 85 % من الايرادات التأمينية للمؤسسة، لذلك من المهم تقييم الايرادات الحالية وحجمها ونسبة تغطية الالتزامات المستقبلية من خلال الأصول والإيرادات المتوقعة للسنوات القادمة والافتراضات التي بنيت عليها، إلى جانب النفقات المتوقعة والعوامل المؤثرة فيها وبالاخص فاتورة التقاعد المبكر.
كما يتصل بالاستدامة المالية مباشرة، دراسة تنويع المحفظة الاستثمارية لصندوق استثمارأموال الضمان والى أي مدى هناك توجه لتقليل الاعتماد على السندات الحكومية من 60% الى النسب المتعارف عليها والتي تكون بحوالي 35% (هل ستبقى نسبة 60% مع قرب نقطة التعادل الاولى 2023؟) خاصة أن السندات الحكومية وأذونات الخزينة والقروض المختلفة تشكل حوالي 10.3 مليار دينار، أي ما يقارب 64% من إجمالي موجودات الضمان.
في معرض الحديث والنقاش عن الاستدامة المالية، يبرز موضوع تقدير العوائد من الاستثمارات المتعددة للصندوق وآلية مراجعته وتقييم تأثير التركز الكبير للسندات الحكومية على مخاطر المحفظة الاستثمارية ونسبة مساهمة القطاع الخاص في الاستثمارات وتنوعها لتطوير المحفظة والأصول غير السائلة، ومدى الاعتماد على الاستثمارات المقدمة من وزارة الاستثمار وغيرها من الوزارات ذات العائد المجزي والأولوية الاقتصادية للمملكة كتمويل مشاريع البنية التحتية الكبرى مثل الناقل الوطني للمياه أو مشاريع السكك الحديدية أو مشاريع الطاقة المتجددة.
ولا يمكن إغفال التقلبات العالمية وبخاصة الاضطرابات السياسية التي تحدث بالمنطقة والتي أصبحت هي الاصل وليس الاستثناء، فآخر 25 عام هناك بالمتوسط حدث كبير يهز المنطقة كل ثلاث أعوام وله تأثيره على النشاط الاقتصادي وبالتالي على الإيرادات المتوقعه وحجم الاستثمار والعائد نتيجة ذلك، لذلك يبرز السؤال عن مدى الجاهزية لكل ذلك من إجراءات عملية لتعويض أي نقص قد يخل بمعادلة الايرادات التأمينية والانفاق على البرامج التأمينية المختلفه، وهل من تفكير لتخصيص جزء من الايرادات والعوائد الاستثمارية لمواجهة الصدمات غير المتوقعة؟
من المواد المعدلة التي يتوجب أن يتم تقديم مبررات مقنعه حولها في مشروع القانون والتي تمس مفهوم الاستدامة المالية تلك المتعلقه ببعض القضايا التنظيمية والمالية مثل تخصيص 100 ألف دينار سنوياً للاتحاد العام لنقابات العمال والاستمرار في تخفيض اشتراكات إصابات العمل للقطاع العام. بالاضافة الى اعادة النظر بوضع المشتركين اختيارياً من الأردنيين العاملين في الدول التي يبلغ سن التقاعد الوجوبي بها 60 عام، ومدى التأثيرعلى استكمالهم لشروط التقاعد بعد عودتهم من غربتهم.
من الأهمية بمكان دراسة نموذج استقلالية مؤسسة الضمان المقدمه في مشروع القانون من خلال إعادة التنظيم الإداري للمؤسسة بذراعيها التأميني والاستثماري، وتشكيلة مجالس الحاكميه بها، وتبرز هنا الحاجة إلى دراسة التجارب الدولية ومقارنة التعديلات المقترحة بالدول الأخرى وحساب التكلفة الفنية والإدارية للنماذج جديدة بوجود “محافظ للضمان” والإجراءات الادارية لضمان الاستدامة المالية على المدى الطويل مع هذه الهياكل الجديدة.
قد تشكل هذه النقاط محاور رئيسيه لحوار موسع يشمل غيرها بكل تأكيد، لكنها وبمجملها تعكس أبرز التحديات التي تواجه النظام التأميني من جانب وتحقيق استدامة مالية حقيقية من جانب، وحماية الحقوق المكتسبة للمشتركين تعزيز العدالة بين الأجيال المختلفة من جوانب أخرى، وفي الوقت نفسه تركز على آليات إدارة الاستثمارات والمخاطر المالية للنظام التأميني المقترح. لذلك من المهم أن يبقى الحوار مستمراً لنصل جميعاً الى الصيغة التوافقية الأنسب والقرار الأكثر كفاءة، وبخاصة أن الحكومة علقت العمل بالقانون حتى العام 2030 فما الضير من ان يمتد النقاش أكثر بمضوع يمس كل فرد في المجتمع الاردني!.
