عروبة الإخباري –
بعض الناس يقيسون الزمن بأعياد الميلاد، أو بالوظائف، أو بالزواج، أو بمحطات الحياة التي تسير بإيقاع “طبيعي”. وهناك أناس آخرون يقيسون الزمن بالحروب.
كنتُ مراهقًة في بيروت في ثمانينيات القرن الماضي، وهذا يعني أن ذكريات طفولتي مخيطة بأصوات القصف، وإطلاق النار في البعيد، وهمسات الكبار كلما انقطعت الكهرباء وأصبح الراديو النافذة الوحيدة على العالم الخارجي.
تعلّمنا في وقت مبكر جدًا أن الحياة يمكن أن تتوقف في لحظة. كانت جداول المدرسة تعتمد على الهدنات. والذهاب إلى أي مكان كان يعتمد على ما إذا كانت الطرق مفتوحة، وعلى مزاج المسلحين عند الحواجز. أشياء عادية مثل تناول المثلجات، أو المشي قرب البحر، أو زيارة الأقارب والأصدقاء، كانت تتطلب مفاوضات مع الحواجز والميليشيات… ومع القدر نفسه.
بالنسبة لكثيرين منا ممن كبروا خلال الحرب الأهلية اللبنانية، عرفنا الاجتياحات الإسرائيلية، وجولات القصف التي لا تنتهي، والهدنات التي لم تكن تعني سلامًا حقيقيًا. فكل بضع سنوات كان البلد يبدو وكأنه يمر بالأمر نفسه من جديد.
ومع ذلك، عشنا بطريقة ما. درسنا على ضوء الشموع. وبنينا صداقات ونحن نلعب الورق، والطاولة (الزهر)، والشطرنج في مداخل البنايات بينما نختبئ من القذائف. كنا نضحك، لأن الضحك كان الطريقة الوحيدة لفهم ما يحدث حولنا.
كثيرًا ما يقول الناس إن اللبنانيين شعب “صامد” أو “مرن”. لكن كلمة الصمود هذه معقدة، ونحن لا نحبها كثيرًا. لدينا علاقة معقدة مع هذه الكلمة تحديدًا…
كثيرون منا غادروا. ليس لأننا أردنا التخلي عن الوطن، بل لأن البقاء على قيد الحياة كان يتطلب أحيانًا الرحيل. بنينا حياة في الخارج: وظائف، وعائلات، وأعمالًا. وحملنا لبنان معنا في الطعام الذي نطبخه، وفي اللغة التي تنفلت منا عندما تشتد مشاعرنا، وفي الموسيقى… وفي فيروز، مع فنجان القهوة الخاص ذاك… الذي يعيدنا فورًا إلى شرفة في بيروت تطل على مدينة كانت دائمًا مجروحة… لكنها كانت دائمًا جميلة.
استمرت الحروب. وتضاعفت الأزمات. ثم جاء الرابع من آب/أغسطس 2020، انفجار مرفأ بيروت. كنت هناك، لكن حتى أولئك الذين كانوا على بعد آلاف الكيلومترات شعروا بشيء ينهار في داخلهم في ذلك اليوم. لم يكن مجرد انفجار. كان تأكيدًا عنيفًا أن البلد الذي أحببناه يمكن أن يُدمَّر ليس بالحرب فقط، بل بالإهمال والفساد واللامبالاة.
بعد ذلك جاء الانهيار المالي. اختفت المدخرات بين ليلة وضحاها. عمرٌ كامل من العمل سُرق على يد نظام كان يعامل مواطنيه كأنهم أوراق يمكن التضحية بها.
ثم، مثل بقية العالم، جاء كوفيد. وبصراحة، في هذه المرحلة من قصتي لم أعد متأكدًا ماذا جاء قبل ماذا… لكنكم فهمتم الصورة.
هناك حزن هادئ يحمله كثيرون منا. حزن الحياة التي كان يمكن أن تكون. لأنك عندما تكبر في بلد مستقر، تتخيل إيقاعًا معينًا للحياة: تعمل بجد، تبني شيئًا، تتقاعد بهدوء، تشاهد أحفادك يكبرون… ثم ترتاح. أليس كذلك؟
لكن بالنسبة لكثير من اللبنانيين، التقاعد مجرد خيال. نحن نعمل ونعمل ونعمل… ليس فقط لنعيش، بل لنُعيد بناء ما يُسلب منا مرة بعد مرة.
والآن، نشاهد المنطقة وهي تتخبط.
من بعيد، يتابع اللبنانيون المنتشرون في أنحاء العالم الأخبار بقلق شديد، بالطريقة التي لا يعرفها إلا من عاش الحرب. نشاهد إسرائيل تضرب لبنان مرة أخرى، ونشاهد الحرب بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة وهي ترسل ارتداداتها عبر المنطقة، ونرى الصواريخ والطائرات المسيّرة تعبر سماء تربط ماضينا بحاضرنا.
حتى هنا في الخليج، حيث تحافظ الحكومات على الاستقرار، وحيث الأنظمة تعمل والناس محميون، يبقى ذلك العقد المألوف في المعدة. لأن الجهاز العصبي اللبناني تدرّب عبر عقود من عدم الاستقرار. نحن نعرف جيدًا كم يمكن أن تنقلب الأمور بسرعة.
فنواصل حياتنا: نعمل، نبني، نربي أبناءنا… لكن في الداخل هناك تعب هادئ. شعور بأننا عشنا حيوات كثيرة أكثر مما ينبغي.
وكنت أفكر قبل أيام… إحدى تلك الأفكار العميقة… والآن، وأنا أقترب من الستين، كيف كانت ستبدو الحياة لو لم يكن كل هذا؟ كيف يبدو أن يكبر الإنسان في سلام؟ أن يخطط لعشر سنوات قادمة دون تردد؟ أن يؤمن أن المستقبل سيتكشف ببساطة؟
ومع ذلك، رغم كل شيء، فإن الروح اللبنانية ترفض أن تختفي. ها هي كلمة “الصمود” تعود من جديد… آه!
نحن نحمل الندوب، نعم. لكننا نحمل أيضًا روح الدعابة، والإبداع، والأمل العنيد، ونوعًا من الذكاء العاطفي الذي لا يكتسبه إلا من صُنعوا في الفوضى.
نحن نعرف كم أن الحياة هشة… ولهذا نحتفل بها بشراسة.
ومع ذلك، أحيانًا أنظر إلى الطريق الطويل من بيروت الثمانينيات إلى اليوم وأفكر في شيء بسيط:
لم يكن من المفترض أن نقضي حياتنا كلها في مجرد النجاة.
كان من المفترض أن نعيش… على الأقل جزءًا منها.
