الدستور – رنا حداد –
في يوم المرأة العالمي، يتجلى بوضوح تميز المرأة الأردنية في مختلف مجالات الفن والإبداع، ليس فقط على المستوى المحلي، بل على الساحة العالمية أيضًا. لقد استطاعت الفنانة الأردنية على مر العقود أن تتحول من مجرد مشاركة في الحركة التشكيلية المحلية إلى رمز للإبداع والتميز، يلقى تقديرًا عالميًا. لم يقتصر دورها على التعبير عن الذات أو إبراز موهبتها الفردية، بل امتد ليشمل بناء هوية ثقافية وفنية متكاملة للمجتمع الأردني، تعكس الأصالة والمعاصرة معًا.
يمثل المشهد الفني الأردني اليوم مزيجًا نابضًا بالحياة، يجمع بين الإبداع الفردي والانخراط المجتمعي، وقد ساهمت المرأة بشكل رئيسي في إثرائه منذ بدايات الثمانينيات، لتصبح الحاضنة الأساسية للتجديد الفني، والرافعة الرئيسية للحركة التشكيلية في البلاد.
انطلاقة الإبداع النسوي
«مع مطلع الثمانينيات، شهدت الساحة الفنية الأردنية ولادة مجموعات فنية جديدة وتنظيم سلسلة من المعارض التي شهدت مشاركة نسائية لافتة. هذه الفترة كشفت عن قدرة المرأة على المساهمة بفاعلية في الفنون التشكيلية، وبرز جيل من الفنانات اللواتي تركن بصمات واضحة على الحركة الفنية، من بينهن ليلى حداد، هيلدا الحياري، سمر حدادين، سناء المصري، خولة صيدم، ومها محيسن» .
وتؤكد الفنانة التشكيلية فاتن الداوود أن هؤلاء الفنانات أسهمن في توسيع حضور المرأة في مختلف المدارس والتيارات الفنية، متحديات القيود الاجتماعية والتقاليد المحافظة التي كانت تقيد نشاطها في ذلك الوقت. من خلال أعمالهن، أسست هؤلاء الرائدات قاعدة متينة لمشاركة المرأة في الحركة التشكيلية الأردنية، لتصبح مساهمتهن متكافئة مع إسهامات الفنانين الرجال، بل أحيانًا أكثر تأثيرًا في رسم ملامح الإبداع المحلي» .
وشهد عام 1980 تأسيس أول قسم للفنون الجميلة في جامعة اليرموك، وهو ما شكل نقطة تحول كبيرة في تعزيز حضور الفنانات الأردنيات. وفر القسم بيئة تعليمية داعمة تمكّن المرأة من ممارسة إبداعها بحرية، بعيدًا عن القيود المجتمعية، وخلق منصة لتطوير مهاراتها الفنية. مع مرور الوقت، أصبح القسم منبرًا أساسيًا لتخريج جيل جديد من الفنانات والفنانين، مجهزين بالمعرفة الفنية والتقنيات الحديثة، مضيفًا بعدًا أكاديميًا مهمًا للحركة التشكيلية النسوية، بحسب الداوود .
كما شهد عقد التسعينيات توسعًا ملحوظًا في أعداد الفنانات الأردنيات، حتى شكلت المرأة نحو ثلث إجمالي الفنانين التشكيليين، بحضور بارز في مجالات التصوير والحفر والخزف والنحت والجرافيك. هذا التوسع عزز قدرة المرأة الأردنية على ترك بصمة واضحة في الحركة الفنية، محليًا ودوليًا.
وفي إطار دعم التعليم الفني، أسست الأميرة وجدان علي كلية الفنون الجميلة في الجامعة الأردنية عام 2002، لتلبية الحاجة المتزايدة لتعليم الفنون التشكيلية، وتوفير منصة للفنانات والفنانين لاستكشاف إبداعاتهم والتعبير عنها. وقد أتاح هذا التطور للفنانات الأردنيات فرصة الظهور على الساحة العالمية، من خلال مشاركتهن في معارض دولية بارزة، مثل معرض «فنانات من العالم العربي» في واشنطن عام 1994، بمشاركة الأميرة وجدان علي والفنانة منى السعودي؛ ما أكد قدرة المرأة الأردنية على المنافسة والإبداع على المستوى الدولي.
مواجهة التحديات الاجتماعية
رغم الالتزامات المنزلية ورعاية الأطفال، ونقص التوثيق أحيانًا، أثبتت الفنانة الأردنية قدرتها على الصمود والتميز، لتصبح عنصرًا فاعلًا في الحركة الفنية، منافسة الرجل في مختلف مجالات الفن. فقد استطاعت أن توظف موهبتها للتعبير عن هموم الوطن والتقلبات المعيشية للإنسان المعاصر، مع الحفاظ على اهتمامها بالمفردات الطبيعية، سواء الحية أو الصامتة، لتبلور هوية فنية مميزة تحمل طابعًا محليًا وعالميًا في آن واحد.
نساء يقُدن المشهد الفني الأردني
الأميرة وجدان علي
الأميرة وجدان علي تمثل رمزًا للفن والثقافة في الأردن، فهي رسامة ومؤرخة فنون وأمينة معارض ودبلوماسية. بدأت تدريبها الفني على يد الفنان مهنا الدرة في أواخر خمسينيات القرن الماضي، وارتقت لتصبح مؤسسة الجمعية الملكية للفنون الجميلة والمتحف الوطني الأردني للفنون الجميلة. كما شغلت منصب عميدة كلية الفنون والتصميم في الجامعة الأردنية، وألّفت عدة كتب عن الفن، ما جعلها شخصية محورية في نقل الخبرة الفنية للأجيال الجديدة.
رنا بيروتي
شغلت رنا بيروتي مناصب قيادية في الحركة الفنية الأردنية، بما في ذلك إدارة أسبوع عمّان للتصميم ومنصة Platform التي تهدف لبناء روابط بين المصممين والمبتكرين محليًا وعالميًا. كما كانت مديرة The Lab في مؤسسة دارة الفنون، ومرشحة لجائزة الشخصية المعمارية في الشرق الأوسط عام 2018.
علا يونس
فنانة تعتمد في أعمالها على البحث والدراسة، وتشجع التعاون الفني والمشاريع المشتركة. تستخدم المواد المطبوعة، الأفلام والأشياء اليومية لاستكشاف تقاطع الأحداث التاريخية والسياسية مع التجارب الشخصية، وحصلت على زمالة بيلاغيو للفنون الإبداعية وعدة جوائز محلية.
جود حلواني التميمي
أمينة معارض نظمت عدة معارض محلية وعالمية مثل Multitudes في لندن 2017 وThe Lab في عمّان، وأطلقت مشاريع فنية تفاعلية خلال جائحة كورونا مثل Internet Of Things، الذي جمع البحث الجماعي والتجربة الفنية، مما أبرز القدرة على الابتكار والتكيف مع التحديات الحديثة.
زينة السيد
بدأت برسم الثقافة العربية والفولكلور، ثم اتجهت إلى الكولاج والفن الرقمي، مستلهمة من قص الصور من المجلات وكتب الحكايات، لتخلق عوالم سريالية فريدة. وقد عُرضت أعمالها في الأردن، مصر وتركيا، لتؤكد حضورها الفني المستقل.
مصممات أردنيات يتركن بصمات عالمية
تمكنت المصممات الأردنيات من إثبات وجودهن على الساحة العالمية، ليس فقط من خلال إبداعاتهن الفريدة، بل أيضًا عبر تحويل رؤيتهن الشخصية وشغفهن إلى علامات تجارية تحمل بصمة واضحة على مستوى الموضة والأزياء الدولية. تجسد قصصهن رحلة الطموح والإصرار، حيث نجحن في مزج التراث والإبداع المحلي مع الاتجاهات العالمية، ليصبحن مصدر إلهام للأجيال الصاعدة ويعززن حضور الأردن في خارطة التصميم العالمية.
فرح الأسمر
مصممة أردنية متخصصة في حقائب اليد، اكتسبت شهرتها بعد أن ارتدت الملكة رانيا ونجوم عالميون حقائبها الجلدية الفاخرة. درست التصميم في معهد Istituto Marangoni في لندن، وأطلقت علامتها التجارية عام 2011. تتميز تصاميمها بالإبداع والوظيفة العملية، مستوحاة من السفر والهندسة المعمارية، مع قدرة على التكيف مع اتجاهات الموضة واحتياجات المستهلكين.
آية مفلح
رائدة أعمال أردنية بدأت بإدارة مدونة لمستحضرات التجميل قبل إطلاق علامتها iShimmer للرموش الصناعية عام 2015. حازت على شهرة واسعة بعد اعتماد منتجاتها من قبل عارضات عالميات مثل بيلا وجيجي حديد. أعادت إطلاق علامتها في لندن عام 2018، وفازت بجائزة CEW Young Achiever.
لمى حوراني
فنانة أردنية ومصممة مجوهرات، أسست علامتها التجارية «لمى حوراني للمجوهرات» عام 2000، لتصبح إحدى العلامات المرموقة والمُقدَّرة على مستوى مناطق متعددة حول العالم. عاشتها تجارب متنوعة في إيطاليا وتايلاند وإسبانيا والصين وفرنسا، ما منحها اطلاعًا عميقًا على ثقافات متعددة وخبرة دولية واسعة، إلى جانب امتلاكها صالات عرض لمجوهراتها في الأردن والصين.
تتميز مى بشغفها بالحفاظ على الحرف والفنون التقليدية، مع ابتكار تصاميم معاصرة نالت إعجاب النقاد، والحرفيين، وعشاق الفن الراقي. إلى جانب عملها الفني، أطلقت عدة مشاريع تهدف إلى تمكين النساء في الأردن، وتحسين مستوى معيشتهن من خلال التدريب وتطوير مهاراتهن في المجالات التجارية والحرفية.
حظيت أعمالها بتغطية إعلامية واسعة من مختلف أنحاء العالم، وفي عام 2012 اختارها المنتدى الاقتصادي العالمي كقائدة شابة عالمية تقديرًا لدورها الثقافي المميز. تعرض قطعها في متاحف عالمية مرموقة في الولايات المتحدة وكندا واليابان وروسيا وألمانيا والصين، وقد أقامت العديد من المعارض الدولية، كما تشارك بانتظام في فعاليات أسبوع الموضة في باريس.
الخزف: فن تقليدي ومعاصر
تتألق الحرفيات الأردنيات في مجال الخزف، مثل منال النشاش، التي تعمل في هذا المجال منذ ثلاثة عقود، مستلهمة من صلابة الصخر وليونة الطين، وتنقل خبرتها للأطفال والكبار في المدارس. تمثل هذه الخبرة مثالاً على قدرة المرأة الأردنية في الجمع بين الإبداع الفني والمهارة الحرفية، وفتح آفاق جديدة أمام الحرف التقليدية.
مساهمات المرأة في التعليم والإبداع الفني
يمتد دور المرأة الأردنية إلى التعليم والإشراف على الأجيال الجديدة، من خلال تأسيس أقسام الفنون الجميلة، إدارة الفعاليات الفنية، وإطلاق البرامج والمبادرات الثقافية، ما ساهم في تمكين الفنانين الصاعدين ونشر الثقافة الفنية محليًا ودوليًا.
الريادة النسائية في الحفاظ على تراث الأردن
في ظل الحراك الفني والثقافي الذي يشهده الأردن، برزت المرأة الأردنية كحارسة للهوية والتراث، محافظة على الموروث الشعبي ومقدمة إبداعها بأساليب مبتكرة تعكس روح العصر دون التفريط بالأصالة. ومن بين هذه النماذج الرائدة، تميزت بلقيس العبادي بفكرة جريئة ومختلفة، تمثلت في إنشاء أول متحف كامل مخصص لفن الحناء في مدينة السلط، مركز التقاليد الاجتماعية العريقة في الأردن.
لم يكن الهدف مجرد عرض تقليدي للحناء، بل تقديم تجربة تفاعلية شاملة تتيح للزائر التعرف على الممارسات والعادات المرتبطة بالحناء، من طقوس الزفاف والاحتفالات العائلية إلى الرموز الثقافية والفنية المصاحبة لها. ولدت الفكرة من رؤية واضحة للحفاظ على التراث الثقافي غير المادي، وضرورة توثيقه بطريقة حية ومشوقة للأجيال القادمة، بحيث يصبح المتحف ليس فقط مكانًا للمعرفة، بل أيضًا مساحة للتفاعل والإبداع وإحياء التجارب الاجتماعية الأصيلة.
وبفضل الدعم المؤسسي والشراكات المجتمعية، تحقق حلم بلقيس العبادي، وافتُتح أول وأكبر متحف تفاعلي للحناء في الأردن بحضور شخصيات رسمية من مديرية ثقافة البلقاء، ومديرية سياحة البلقاء، وهيئة شباب كلنا الأردن، بالإضافة إلى ممثلين عن المجتمع المحلي. يمثل هذا المتحف خطوة رائدة في مجال حفظ التراث، ويعكس قدرة المرأة الأردنية على الجمع بين الإبداع، الريادة، والحفاظ على الهوية الوطنية، مؤكدًا أن الإرادة والمعرفة قادرتان على تحويل فكرة مبتكرة إلى مشروع ثقافي حقيقي يحاكي الماضي ويُلهم المستقبل.
