عروبة الإخباري –
في كل مرة تهتز فيها المنطقة بسبب التوترات المرتبطة بـ إيران، يعود لبنان إلى السؤال نفسه الذي لم يجد جوابًا منذ عقود: من يملك قرار الحرب والسلم؟ الدولة أم القوة المسلحة التي نشأت خارجها؟
هذا السؤال يقود مباشرة إلى واقع لا يمكن تجاهله: نفوذ حزب الله، الذي بات بالنسبة لكثير من اللبنانيين رمزًا لأزمة سيادية عميقة، لا مجرد خلاف سياسي عابر.
دولة بقرار منقوص
من الناحية النظرية، يمتلك لبنان مؤسسات دستورية: حكومة، وبرلمان، وجيش وطني. لكن في الواقع السياسي والأمني، يبقى وجود قوة عسكرية كبيرة خارج إطار الدولة معضلة أساسية.
فالدولة التي لا تحتكر السلاح لا تستطيع عمليًا أن تحتكر القرار. وهذا ما يجعل أي توتر مع إسرائيل مصدر قلق دائم، لأن لبنان قد يجد نفسه في مواجهة عسكرية واسعة دون أن يكون قرار الحرب صادرًا عن مؤسساته الرسمية.
هذه المفارقة تجعل مفهوم السيادة في لبنان موضع تساؤل دائم.
من مقاومة إلى قوة إقليمية
لا يمكن إنكار أن حزب الله اكتسب شرعية لدى جزء من اللبنانيين بسبب دوره في مقاومة الاحتلال الإسرائيلي في مراحل سابقة. لكن التحولات التي شهدتها المنطقة خلال العقدين الأخيرين جعلت دور الحزب يتجاوز الإطار اللبناني.
فالحزب أصبح جزءًا من محور إقليمي تقوده إيران، وهو محور يمتد تأثيره عبر عدة ساحات في الشرق الأوسط. بالنسبة لمنتقدي الحزب داخل لبنان، فإن هذا التحول يعني أن البلاد لم تعد فقط ساحة داخلية للصراع السياسي، بل باتت أيضًا ورقة في معادلات إقليمية أكبر.
وهنا يكمن جوهر الاعتراض: هل يمكن لدولة صغيرة تعاني أزمات اقتصادية وسياسية حادة أن تتحمل كلفة هذا الدور؟
الاقتصاد تحت ظل الصراع
منذ عام 2019 يعيش لبنان واحدة من أسوأ الأزمات الاقتصادية في تاريخه الحديث. العملة فقدت جزءًا كبيرًا من قيمتها، والبطالة ارتفعت، والهجرة أصبحت حلمًا يوميًا لدى آلاف الشباب.
في ظل هذه الظروف، يرى كثير من اللبنانيين أن استمرار حالة التوتر العسكري مع إسرائيل، أو احتمال الانخراط في صراعات مرتبطة بـ إيران، يضيف عبئًا هائلًا على بلد يكافح أصلًا للبقاء اقتصاديًا.
فالاستثمار يحتاج إلى استقرار، والسياحة تحتاج إلى أمن، والاقتصاد يحتاج إلى دولة قادرة على طمأنة العالم بأنها تملك قرارها.
الانقسام الداخلي
أحد أخطر نتائج هذه المعادلة هو الانقسام العميق داخل المجتمع اللبناني نفسه. فهناك من يرى في حزب الله قوة ردع تحمي لبنان، بينما يرى آخرون أنه السبب الرئيسي في تعريض البلاد لمخاطر أمنية وسياسية مستمرة.
هذا الانقسام لا يضعف فقط الحياة السياسية، بل يعمّق أزمة الثقة بين اللبنانيين ودولتهم.
معضلة الدولة
المشكلة الأساسية في لبنان اليوم ليست مجرد خلاف حول حزب أو سياسة، بل أزمة نموذج دولة.
فالدولة الحديثة تقوم على مؤسسات واحدة تحتكر استخدام القوة وتقرر السياسات الكبرى. أما الواقع اللبناني فيعكس نظامًا مزدوجًا: دولة رسمية من جهة، وقوة مسلحة مؤثرة من جهة أخرى.
هذا الوضع يجعل أي إصلاح سياسي أو اقتصادي هشًا، لأن الاستقرار الحقيقي يبقى مرتبطًا بمعادلة السلاح والقرار.
لحظة السؤال الكبير
مع كل تصعيد إقليمي جديد، يعود اللبنانيون إلى النقاش نفسه: هل يمكن للبنان أن يبني دولة قوية ومستقرة بينما يبقى قرار الحرب خارج مؤسساتها؟
وهل يستطيع بلد صغير يعاني أزمات اقتصادية خانقة أن يتحمل دور ساحة في صراعات إقليمية أكبر منه؟
هذه الأسئلة لم تعد مجرد مادة للجدل السياسي، بل أصبحت جزءًا من معركة اللبنانيين اليومية من أجل مستقبل أكثر استقرارًا.
قد يستمر الجدل حول دور حزب الله لسنوات أخرى، لكن الحقيقة التي يصعب تجاهلها هي أن مستقبل لبنان سيظل مرتبطًا بإيجاد صيغة واضحة لدولة تمتلك قرارها الكامل.
فمن دون ذلك، سيبقى البلد عالقًا بين مشروع الدولة ومشروع السلاح، وبين حلم الاستقرار وواقع الصراعات التي لا تنتهي.
