في كل حرب كبرى يظهر اعتقاد قديم يتجدد: أن القوة العسكرية قادرة على إعادة تشكيل الأنظمة السياسية بسرعة، لكن التجارب الحديثة تشير إلى عكس ذلك.
فالحروب قد تضعف الدول، وتغير موازين القوى، لكنها نادرًا ما تنجح وحدها في إسقاط الأنظمة الراسخة ما لم يترافق ذلك مع تحولات عميقة من الداخل.
في الصراع الدائر حول إيران، تبدو معادلة الحرب واضحة إلى حد كبير. أما بالنسبة للمعسكر المقابل لطهران، فإن الهدف الاستراتيجي غير المعلن لكثير من السياسات هو تغيير سلوك النظام الإيراني أو الذهاب أبعد من ذلك نحو تغييره، غير أن التاريخ السياسي يعلمنا أن إسقاط الأنظمة القوية عبر الضغط الخارجي وحده أمر بالغ الصعوبة. فالدول التي تمتلك مؤسسات أمنية متماسكة، وبنية سياسية قادرة على امتصاص الصدمات، غالبًا ما تتحول فيها الضغوط الخارجية إلى عامل توحيد داخلي بدل أن تكون سببًا في انهيارها.
ومن هنا تتشكل معادلة الحرب الحالية: إذا خرجت إيران من المواجهة دون تغيير في نظامها السياسي، فستعتبر نفسها قد حققت انتصارًا استراتيجيًا، حتى لو تكبدت خسائر اقتصادية أو عسكرية. فبقاء النظام في حد ذاته يصبح دليلًا على فشل الهدف الأساسي للخصوم. أما إذا أدت الحرب إلى تحولات داخلية عميقة تُفضي إلى تغيير سياسي في طهران، فسيُعد ذلك انتصارًا للمعسكر الآخر، لأن الهدف النهائي سيكون قد تحقق.
جانب آخر من هذه المعادلة يتعلق بفاعلية الردع العسكري، فالقواعد العسكرية المنتشرة في الخليج صُممت أساسًا لفرض ميزان ردع وحماية المصالح الحيوية، وعلى رأسها أمن الطاقة والممرات البحرية.
لكن الحروب دائمًا تكشف حدود القوة مهما بلغت، ومع نهاية أي صراع كبير، تبدأ عادة مراجعات استراتيجية عميقة لتقييم مدى فعالية هذه المنظومات الدفاعية، وما إذا كانت قادرة فعلًا على توفير الحماية الكاملة للحلفاء.
الخطر الأكبر في هذه المواجهة لا يكمن فقط في نتيجتها النهائية، بل في طول أمدها واتساع رقعتها.
فالحروب الطويلة تستنزف الجميع، وتفتح الباب أمام اضطرابات اقتصادية وأمنية قد تتجاوز حدود الدول المتحاربة لتطال المنطقة بأسرها.
لذلك تبقى الحقيقة الأهم في السياسة الدولية أن الحسم العسكري قد يغير الوقائع على الأرض، لكنه نادرًا ما يحسم مصير الأنظمة.
فالتغيير الحقيقي في نهاية المطاف يولد من الداخل، حين تتبدل موازين القوى داخل المجتمع نفسه.
وما عدا ذلك يبقى مجرد ضغط خارجي قد يضعف الخصم، لكنه لا يضمن سقوطه
معادلة الحرب: بين وهم الحسم العسكري وحقيقة التغيير من الداخل* الدكتور محمد أبو هديب
1
المقالة السابقة
