نجح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والائتلاف اليميني الحاكم في تل أبيب في دفع الولايات المتحدة نحو الانخراط في المواجهة مع إيران، استنادًا إلى تقديرات إسرائيلية خاطئة. فقد كان الاعتقاد السائد لدى صناع القرار في تل أبيب أن اغتيال مرشد الثورة الإسلامية الإيرانية السيد علي خامنئي سيؤدي إلى إسقاط النظام الإيراني بسرعة ويدفع طهران إلى الاستسلام.
كما راهنت القيادة الإسرائيلية على أن مشاركة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وتوريط الإدارة الأمريكية في المواجهة العسكرية سيؤديان إلى حسم سريع للصراع وانهيار النظام الإيراني خلال فترة قصيرة.
ورغم حجم الاختراق الأمني داخل إيران، فإن التقديرات الأمنية والعسكرية الإسرائيلية أخطأت في قراءة المشهد. فقد جرى الإعلان في اليوم الأول للعدوان أن أربعة أيام فقط ستكون كفيلة بدفع النظام الإيراني إلى الاستسلام وتغيير النظام، بما يفتح الطريق أمام فرض واقع إقليمي جديد تخضع فيه منطقة الشرق الأوسط للهيمنة الإسرائيلية باعتبارها دولة وظيفية تخدم المصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة.
كما اعتقدت بعض الدوائر الأمريكية أن تمسك إيران بخيار المفاوضات يعكس ضعفًا وهشاشة في بنية النظام السياسي الإيراني.
غير أن التطورات الميدانية جاءت مخالفة لتلك الحسابات. فقد جاء الرد الإيراني المباشر، بما في ذلك استهداف قواعد أمريكية في دول الخليج، مفاجئًا، خصوصًا في ظل العلاقات المعقدة بين طهران ودول الخليج. كما تلا ذلك رد سريع على “إسرائيل” وتصعيد عسكري واسع، برزت خلاله نوعية الصواريخ الإيرانية وقدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية، بما فيها القبة الحديدية، في وقت عجزت فيه شبكات الرادار عن اعتراض عدد من تلك الصواريخ.
وبذلك تجاوزت إيران مهلة الأيام الأربعة التي جرى الحديث عنها، وأرسلت رسائل واضحة مفادها أنها ترفض وقف إطلاق النار أو القبول بالهدنة أو الاستسلام، وأن الرهان على انتفاضة داخلية لإسقاط النظام لم يكن سوى أوهام سياسية لم تتحقق. وبهذا المعنى، وجد الرئيس دونالد ترامب نفسه متورطًا في مغامرة عسكرية ارتبطت بحسابات نتنياهو.
الحرب لا تزال في بداياتها، ويبدو أن الجانب الإيراني يعمل على بناء قواعد ارتكاز جديدة لأمنه الاستراتيجي في المستقبل الإقليمي، الأمر الذي قد يؤدي إلى إفشال المخطط الإسرائيلي القائم على السعي للهيمنة الجغرافية والأمنية على الشرق الأوسط، بل والامتداد نحو مناطق أخرى من بينها أفريقيا، وفق ما يراه كثيرون جزءًا من المشروع الصهيوني.
أما دخول حزب الله على خط المواجهة، فقد بدا في اللحظات الأولى مغامرة محفوفة بالمخاطر، خاصة في ظل العدوان الإسرائيلي على لبنان وما تعرض له الحزب من ضربات قاسية، بما في ذلك اغتيال أمينه العام السيد حسن نصر الله وعدد كبير من قياداته وكوادره، إضافة إلى تقلص نطاق سيطرته في بعض المناطق.
مع ذلك، أظهرت قوات الرضوان التابعة لحزب الله قدرة على سرعة الانتشار وإعادة التموضع في عدة مناطق، مع إطلاق صواريخ وطائرات مسيّرة باتجاه شمال فلسطين المحتلة والمستوطنات الإسرائيلية، الأمر الذي دفع السلطات الإسرائيلية إلى إخلاء عدد كبير من المستوطنات في تلك المنطقة.
كما شهدت مناطق الجنوب اللبناني مواجهات عسكرية مباشرة بين مقاتلي الرضوان وقوات الاحتلال الإسرائيلي، أسفرت عن خسائر بشرية ومادية، إضافة إلى تدمير عدد من الدبابات الإسرائيلية.
بالنسبة لإيران، تبدو هذه الحرب حربًا مصيرية، تقوم على معادلة “نكون أو لا نكون”. ومن هنا، فإن على الدول العربية والإسلامية إعادة قراءة المشهد بدقة، خاصة في ما يتعلق بقضايا الأمن الوطني والأمن القومي العربي.
إن مستقبل دول الشرق الأوسط ومصيرها يتوقف إلى حد كبير على الخيارات التي ستتخذها شعوبها وقياداتها. وقد أثبتت التجربة أن مصالح الولايات المتحدة وإسرائيل غالبًا ما تتقدم على مصالح الدول العربية ودول الخليج.
لذلك تبرز مجددًا فكرة تشكيل قوة عربية مشتركة لحماية المصالح العربية، وهي الفكرة التي طرحها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في وقت سابق، باعتبارها ضرورة استراتيجية ينبغي العمل عليها.
ولعل في كلام الرئيس المصري الراحل حسني مبارك دلالة عميقة حين قال: “من يتغطى بأمريكا ينام عريان”.
وهو قول يعكس ضرورة أن تدرك الدول العربية جيدًا أين تضع أقدامها في خضم التحولات الإقليمية المتسارعة.
