فوضى تصريحات ترامب حول مجريات ومآلات الحرب على إيران تمنحه مساحة أوسع لبناء نهايات متعددة، من دون أن يُلزم نفسه بهدف واحد. قد يبدو للوهلة الأولى متناقضًا في ما يقول، لكنه يتعمد بعثرة الأهداف والانقلاب عليها أو استبدالها بين تصريح وآخر. غير أن الغاية العامة واضحة: إيران بعد الحرب لن تكون، في أي حال، هي ذاتها إيران ما قبل الحرب. فهي إما إيران مختلفة كليًا، أو إيران ضعيفة منكمشة ومهادِنة. وكلها صيغ، وإن تفاوتت، تصب في مصلحة مشعلي الحرب. وأعتقد أن الصورة الأولية ستتضح بعد مرور الأيام العشرة الأولى من الحرب؛ إذ ستؤشر البوصلة بوضوح إلى أين تتجه الكفة، ما لم يحدث انهيار مفاجئ كما حدث في سوريا، وهو أمر لا يبدو قريب المنال إذا استمرت المعطيات ذاتها.
صحيح أن الضربة الأولى، وما نتج عنها من اغتيال للمرشد، بوصفه الرمزية الأعلى والسلطة الأوسع للنظام الإيراني، قد كشفت خرقًا كبيرًا وانكشافًا مرعبًا في المنظومة الأمنية والعسكرية الإيرانية، إلا أن ما جرى بعد ذلك من اتساق واتساع وصلابة في العمليات العسكرية لطهران، والتي تواصلت ووصلت إلى جزيرة قبرص رغم مقتل عدد من القادة العسكريين والسياسيين، يعطي مؤشرًا قويًا على أن إيران أعدّت العدة لمثل هذا السيناريو، وأنها، على الأقل، تمكنت من إلحاق الضرر في رقعة واسعة، وأضرّت بالتجارة الدولية وهددت إمدادات الطاقة العالمية. كما سعت بكل قوة إلى جرّ المنطقة إلى حرب إقليمية، وتمكنت، في الحد الأدنى، من تأجيل الانهيار الذي لا بد آتٍ إن تواصلت صلابة العمليات العسكرية المؤلمة على امتداد الأراضي الإيرانية الشاسعة.
نلمس، بشكل متفاوت، بداية تشكّل تحالف عالمي ضد إيران؛ فبريطانيا بدأت التحرك الفعلي، ولو بأهداف معلنة ومحددة، لكنها قابلة للتطوير، وفرنسا المترددة أعلنت التزامها بأمن دول الخليج العربي ضمن اتفاقيات الدفاع المشترك، وألمانيا ليست بعيدة عن هذه التحركات. أما باكستان فتذكّر إيران بأنها ملزمة باتفاقية الدفاع المشترك مع السعودية، في حين أن دول مجلس التعاون الخليجي تلمّح إلى أنها لن تقف مكتوفة الأيدي طويلًا. والأردن تعهّد، بطبيعة الحال ومنذ البداية، بحماية أجوائه في وجه أي طرف، بوصف ذلك جزءًا أساسيًا من سيادة الدولة المصانة.
كل هذه المعطيات الدولية والإقليمية، مع جهود دعم فصائل إيرانية داخلية للتحرك عسكريًا ضد النظام، بالتوازي مع تحرّك الشارع الإيراني المُحيَّد حتى اللحظة، قد تتعاضد للتعجيل بانهيار النظام وسقوطه، لكن ذلك قد لا يحدث، أو قد لا ينتج عنه المطلوب بالسرعة المناسبة.
تبدو “نورماندي جديدة” تلوح في الأفق. ولم يستبعد ترامب نفسه أن تنخرط الولايات المتحدة وحلفاؤها في عمل عسكري بري إن دعت الحاجة. وهذا يتطلب حشدًا أكبر من قوات مشاة البحرية، وتشكيل قوة إقليمية مجهزة لمثل ذلك الإنزال البحري، ما يعني أن خططًا ما في هذا الاتجاه قد رُسمت أو هي في طور الإعداد تحسبًا لأي معطى جديد. وإذا ما أخذنا بالاعتبار طول السواحل الإيرانية وتنوعها، فإن اختيار خاصرة رخوة أو منطقة ملائمة لمثل هذه الخطوة غير مستبعد، إذا ما تأكد تدمير الأسطول البحري العسكري الإيراني وإخراجه من الخدمة. علمًا بأن سماء إيران تبدو مستباحة إلى حد بعيد، ومنصات الصواريخ في تناقص مستمر، مع تصاعد علامات الاستفهام حول مخزونها من الصواريخ الباليستية والفرط صوتية بعيدة ومتوسطة المدى.
نعم، الغزو البري غير مرغوب فيه أمريكيًا، لكنه قد يصبح ضرورة استراتيجية في مرحلة ما. فإيران ليست فنزويلا تُحرَّك حجارتها من بُعد، وهي عارية من الحلفاء الحقيقيين، وجبهتها الداخلية منقسمة في أفضل الأحوال. وفكرة حشد قوات إنزال شبيهة بإنزال نورماندي في الحرب العالمية الثانية، وإن على نطاق أضيق وأقل زخمًا بكثير، قد تكون عاملًا حاسمًا. وهذا لا يشترط اجتياحًا بريًا كاملًا، بل ربما تدخلًا محدودًا ومعنويًا يشجع الفصائل الداخلية والشارع المعارض على التحرك وحسم المعركة، بما يخرج النظام الحالي من سدة الحكم ويغير شكل إيران والمنطقة إلى الأبد.
