هذه القصة ليست مجرد حبرا” على ورق، بل هي أنين شعبنا الذي بات غريباً في أرضه، بينما يكتفي اصحاب “الكراسي” بالمشاهدة.
غرفة تحت السقف.. وبيت كان فوق السحاب
عشرون ساعة من المسير على طريق لا ينتهي، بين عويل القصف وازدحام السيارات الذي يشبه يوم الحشر، أوقف “أبو محمد” سيارته على قارعة الطريق قبل وصوله إلى بيروت. تلك السيارة التي كانت مجرد وسيلة نقل، تحولت لتصبح هي البيت، والمطبخ، وغرفة النوم لأطفاله الثلاثة وزوجته “أم محمد”.
يومان والوجوه تمر من أمامهم كالأحلام. يومان والأطفال ينامون بوضعية “القرفصاء” داخل السيارة, بينما تمسح الأم دموعها سراً كي لا تكسر خاطر زوجها الذي يبحث بعينيه عن “كرامة” ضاعت في زحام الطرقات.
في اليوم الثالث، وقف امامهم رجل اشتعل رأسه شيباً، راقبهم لمدة يومين. نظر إليهم وبغصة قال:
“يا أخي، العين بصيرة واليد قصيرة، بيتي صغير لا يتسع ولكن لديّ غرفة في أسفل المبنى، داخلها حمام وهي تشبه المخزن، لكن لها سقفاً وباب يستركم.. تفضلوا، الدار داركم.” ولو ان قيمتكم اكبر.
عندما نزلوا إلى الغرفة، وجدوها معتمة، نوافذها عالية وصغيرة. تذكر “أبو محمد” منزله في الجنوب؛ تذكر صالونه الواسع، والقرميد الأحمر، تذكر أشجار الزيتون التي كانت تظلل الدنيا. غص قلبه وهمس سرا في نفسه: “كيف سأطلب منهم المكوث هنا؟”
لكن المفاجأة جاءت من الأطفال. بدأ “محمد” الصغير يركض في الغرفة ويصرخ: “أبي! استطيع أن أمدد قدمي وأنام! انظر كم هذه الأرض واسعة!”. أما أخته الصغيرة “نور” فقد احتضنت الجدار وقالت: “الحمد لله يا أمي، الليلة لن نسمع أصوات أبواق السيارات فوق رؤوسنا.”
بصدمة، نسي الأطفال أراجيح حديقتهم، نسوا غرفهم التي كانت كقصور الملوك، وأصبح سقف “المستودع” بالنسبة لهم هو الجنة؛ لأن الأمان صار أغلى من الذهب.
رسالة إلى من يهمه الأمر (أو لا يهمه)
يا حكام هذا البلد، يا أصحاب الفخامة والسيادة والمعالي..
بينما تنهمكون في مناقشة “جنس الملائكة” على طاولاتكم الفخمة، هناك شعب بات يعتبر “مستودعاً” تحت الأرض إنجازاً تاريخياً. وبينما يدرس أبناؤكم في أرقى جامعات العالم، هناك أطفال ينسون بيوتهم وقصورهم لأجل “غرفة خربة” فقط لأنها بعيدة عن الموت.
الوجع ليس في التهجير فحسب، بل حين يصبح طموح اللبناني “سقفاً” وقليلاً من الأمان، في بلد كنتم تسمونه “سويسرا الشرق”.
يا قادة، التاريخ لا يرحم، ودموع هؤلاء الأطفال ستظل تلاحق عروشكم حتى ينهار السقف على رؤوس الجميع
بين الألم والكرامة! قصة واقعية لنازح جنوبي* محمد العربي
6
