حين أُعلن في الفاتيكان وفي الجزائر عن نيّة قداسة البابا لاون الرابع عشر القيام بزيارة رسمية إلى الجزائر في نيسان المقبل، شعرت بفرح خاص، ليس فقط لأن الأمر يتعلق بزيارة بابوية إلى بلد عربي شقيق، بل لأنني عرفت الجزائر عن قرب في محطتين شخصيتين تركتا أثرًا عميقًا في نفسي.
كانت زيارتي الأولى عام 2008 لوداع المطران غالب بدر، عندما عيّنه البابا بندكتس السادس عشر رئيسًا لأساقفة الجزائر. ، ليكون أول عربي يجلس على هذا الكرسي الأسقفي. أما الثانية فكانت زيارة عبور إلى أبرشية الجزائر، أُتيح لي خلالها ، وبرفقة المطران الصديق، الاطلاع عن كثب على الواقع الديني والإنساني في هذا البلد الكبير، الذي يضم اليوم نحو 48 مليون نسمة، وتشكّل فيه الأغلبية المسلمة الساحقة، مع حضور مسيحي متواضع عددياً، لكنه فاعل من خلال مؤسسات تربوية وصحية واجتماعية تخدم الإنسان دون تمييز في الدين أو العرق.
من هنا، تبدو الزيارة البابوية حدثًا يتجاوز البعد الكنسي الداخلي، لتصبح رسالة تشجيع وطنية وإنسانية. وكما حصل في زيارات سابقة إلى لبنان وتركيا، من المتوقع أن تسلط وسائل الإعلام الضوء على الوجه الحقيقي للجزائر: بلد الحضارة العريقة، والتاريخ المتجذر، والتنوع الثقافي والديني، والسعي الدائم إلى الاستقرار والعيش المشترك.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه: لماذا اختار البابا الجزائر محطة أولى له؟
إن أولى زياراته في حبريته – أي تركيا ولبنان- جاءت استكمالًا لأحلام وخيارات سلفه البابا فرنسيس، غير أن اختيار الجزائر يحمل دلالة خاصة. فالبابا لاون، وهو أمريكي الأصل، ينتمي إلى الرهبنة الأوغسطينية، وقد شغل سابقًا منصب رئيسها العام لسنوات عدة. والرهبنة الأوغسطينية تستلهم فكر وتعاليم القديس أوغسطينس، ابن الجزائر، المولود عام 354 في طاغست (سوق أهراس حاليًا)، و أصبح أسقفا على هيبون (عنابة حاليا) لمدة 34 عاما، إلى أن توفي فيها عام 430. ويُعد أحد ألمع اللاهوتيين والفلاسفة في التاريخ الإنساني.
إنها عودة روحية إلى الجذور. فالبابا الأوغسطيني يختار أن يحطّ الرحال في أرض أوغسطينس العظيم، صاحب “الاعترافات” و”المدينتان: مدينة الله ومدينة الإنسان”، ليؤكد من جديد على القيم التي شكّلت فكره: البحث الدائم عن الحقيقة، عمق الحياة الروحية، والانفتاح على الله والإنسان. وهي قيم يحتاجها عالم اليوم بشدة، في زمن تتصاعد فيه النزاعات والانقسامات.
غير أن الجزائر ليست مجرد ماضٍ مجيد، بل هي حاضر حيّ. الكنيسة الكاثوليكية هناك، رغم قلة عدد أبنائها، هي كنيسة شاهدة وفاعلة. تضم الجزائر أربع أبرشيات، ويسمّى أسقف العاصمة الجزائر بصفته متروبوليت رئيس مجلس الأساقفة. وحاليا هو الكاردينال جان بول فيسكو فرنسي الأصل،الذي شارك في انتخاب البابا، وقد صرّح لصحيفة “ لاكروا” الفرنسية أن زيارة الحبر الأعظم ستكون منبع تشجيع كبير للجميع. وأكد أن البابا لا يأتي لزيارة الكاثوليك فقط، بل ليحمل رسالة إنسانية عامة إلى كل أبناء الوطن.
وتحمل الزيارة بُعدًا رمزيًا إضافيًا، إذ يصادف عام 2026 الذكرى الثلاثين لاستشهاد عدد من الرهبان والراهبات الذين أعلنتهم الكنيسة طوباويين، بعد أن سقطوا ضحايا سنوات الإرهاب والعنف التي عصفت بالجزائر في تسعينات القرن الماضي. ومن محاسن الصدف أن انتخاب البابا تم في الثامن من أيار، يوم عيد شهداء الجزائر، ما يضفي بعدًا روحيًا خاصًا على هذه الزيارة المرتقبة. وبالمناسبة يقام حاليا معرض عن هؤلاء الشهداء ، في نيويورك وسوف ينتقل الى عدة بلدان .
إنها زيارة ذات أبعاد متعددة: روحية، ثقافية، إنسانية ودبلوماسية. فهي تسهم في تمتين العلاقات بين الكرسي الرسولي والجمهورية الجزائرية، بين البابا بصفته رأس دولة الفاتيكان، ورئيس الجمهورية الجزائرية عبد المجيد تبون، الذي كان من أوائل رؤساء الدول الذين زاروا حاضرة الفاتيكان وهنأوا البابا الجديد. وهي طبعا زيارة روحية تهدف إلى تشجيع المسيحيين ، على قلة أعدادهم، على المضي برسالتهم الروحية والانسانية، وهي بلا شك زيارة لتقوية أواصر التعاون الثقافي بين الشرق والغرب ، والتلاقي الروحي بين المسيحيين والمسلمين، في الجزائر، وفي شمال أفريقيا، وفي كل أنحاء العالم.
Abouna.org@gmail.com
