لم يعد ممكنا التعامل مع ما يجري في المنطقة العربية بوصفه ارتدادات جانبية لصراع بعيد، فحين تتسع دائرة الاستهداف لتطال ست دول عربية دفعة واحدة، فإن المسألة تتجاوز حسابات الردع إلى سؤال جوهري حول طبيعة السلوك السياسي ومنظومة القيم التي تحكمه، فإيران التي كانت تزعم مرارا أن معركتها مع إسرائيل هي لتحرير القدس، وقدمت نفسها عبر الخطابات الجماهيرية على أنها شريك موضوعي وجزء من وجدان عربي إسلامي يسعى إلى إنهاء الاحتلال، وجدت طريقا آخر لتصدير أزمتها عند تعثر المفاوضات التي خاضتها طهران أصلا سعيا إلى الحصول على ضمانات تتعلق ببقاء نظامها وتخفيف الضغوط عنه، ووجد الجوار العربي نفسه في دائرة التداعيات، رغم أن الصراع المعلن لا يدور معه.
الهجوم على ست دول عربية يحمل دلالة لا يمكن القفز فوقها، حيث أن نقل النيران بشكل متعمد ومدروس إلى الجوار العربي وتحويل أراضيه إلى ساحات ورسائل وضغط ووضع أمنه في خانة الكلفة الجانبية رغم عدم دخول الدول العربية في المواجهة أو مبادرتها إلى أي عدوان، يكشف مفارقة صارخة بين الخطاب والممارسة، ويضع مبادئ حسن الجوار أمام اختبار سقطت فيه الشعارات الزائفة وبقيت الوقائع التي كشفت القناع عن الوجه القبيح لأطماع الهيمنة والسيطرة التي كانت تحلم بها إيران وتسعى لها عبر ميليشياتها التي كانت تعمل على زرع الفوضى والخراب في العديد من الدول العربية.
الأردن تمسك في خضم هذا المشهد بموقف ثابت يقوم على احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها، وأعلن بوضوح أنه لن يسمح باستخدام أراضيه منطلقا لأي هجوم على إيران، وهو ما يعكس انسجاما بين القول والفعل، ويجسد عقيدة سياسية ترى أن حماية السيادة الوطنية وتحصين الجبهة الداخلية أولوية عليا، كما واصل الأردن على الدوام دعوة مختلف القوى الإقليمية والدولية إلى حل القضايا العالقة عبر المفاوضات والحوار السلمي، انطلاقا من قناعته بأن الاستقرار المستدام يصنع بالتفاهمات السياسية لا بتوسيع ساحات النار.
غير أن تعريض الأردن ودول الخليج لتداعيات عسكرية بفعل صراع لا يخصها مباشرة يعني محاولة خلط الأوراق في المنطقة وتوسيع دائرة الصراع عبر التعامل مع الجغرافيا باعتبارها امتدادا لمسرح عمليات أكبر، وعلى الرغم من أن دول الخليج سعت أيضا وفي مراحل مختلفة إلى التهدئة وبناء قنوات تواصل إلا أنها وجدت نفسها جزءا من معادلة الرد وتصفية الحسابات التي تنطلق منها أجندات إيران العبثية.
في الإطار القانوني، يشكل احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها قاعدة أساسية في النظام الذي أرسته الأمم المتحدة، وإن استهداف دول لم تدخل الحرب يمثل خرقا لهذه القواعد، ويفتح الباب أمام تصعيد متدحرج في منطقة مثقلة بالأزمات، من هنا تتعزز أهمية التمسك بالدعوات إلى التهدئة، مع إدراك أن حسن النوايا وحده لا يكفي لصون الأمن.
الرسالة الأوضح في هذه التجربة أن الدول العربية لا ينبغي ان تكون ساحة مفتوحة للعبث، وأن الأمن القومي العربي يجب أن يكون على الدوام قيمة عليا تتجاوز الحسابات الضيقة، فحين تتكرر محاولات جر العواصم العربية إلى صراعات الآخرين، يصبح من المشروع إعادة النظر في بنية العمل العربي المشترك، والانتقال من ردود الفعل المتفرقة إلى رؤية دفاعية جماعية واضحة المعالم، فرغم أن التنسيق السياسي مهم، غير أن اللحظة الراهنة تفرض ضرورة وجود نقلة نوعية تتجسد في بناء قدرة ردع عربية موحدة، تعلن بوضوح أن أي مساس بسيادة أي دولة عربية سيواجه بإرادة جماعية.
إن تشكيل قوة عربية موحدة للدفاع عن أمن وسيادة الدول العربية ينبغي أن لا تبقى فكرة نظرية، بل يتوجب أن يكون استحقاقا تفرضه الوقائع، بحيث يتم تشكيل قوة تقوم على احترام سيادة كل دولة عضو، وتعمل تحت مظلة الشرعية العربية، وتنسق مع قواعد القانون الدولي، بما ينسجم مع مبادئ جامعة الدول العربية وروح ميثاق الأمم المتحدة بهدف الردع وحماية الاستقرار، لا الانخراط في مغامرات عسكرية.
في المحصلةـ، إن ما كشفته الجولة الحالية من الصراع في المنطقة يؤكد أن الجغرافيا العربية هي الثابت الأهم الذي يجب أن لا يكون مسرحا لتصفية الحسابات، وأن حماية الأوطان أولوية قصوى ينبغي أن تبدأ بإرادة واضحة ترفض المساس بها، وعلى الدول العربية أن توحد موقفها دفاعا عن أمنها واستقرارها وأن ترتقي إلى مستوى التحدي، وأن تبني معادلة واضحة تقول إن سيادتها خط أحمر، وإن أمنها القومي مقدس، وأن تدفع بقوة نحو تسويات سياسية عادلة تخرج المنطقة من دوامة المواجهات إلى بناء قوة تحمي السلام، وتثبت أن احترام الجوار قاعدة ملزمة لكل من يريد شراكة حقيقية في هذا الإقليم، لأن احترام مبادئ حسن الجوار والاحتكام إلى المفاوضات هو الطريق الأقصر إلى استقرار دائم يحقق مصالح الشعوب ويحفظ كرامتها.
