قبل انقضاء ما اتضح أنها المهلة الأخيرة، وفي آخر أيام الشهر الذي بلغ فيه نظام خميني ذكراه السابعة والأربعين، أطلق الرئيس الأمريكي السابع والأربعون عمليات، أطلقت وزارة الحرب عليها اسم عملية «الغضب الملحمي» (إِبِكْ فيوري).
في الثالثة فجر السبت -حسب توقيت الساحل الشرقي في أمريكا- ومن الكلمات الأولى في خطاب ترمب المقتضب الذي لم يتجاوز الثماني دقائق، لم يكن خافيا أن الأمر استند إلى شيء ما قد تحقق بالفعل، وليس مجرد إعلان النية باستهدافه.
اتضح من الساعات الأولى أن القصف والعمليات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية كان نتاج عمليتين منفصلتين لكن في إطار محكم للتنسيق تام استخباريا وعملياتيا. كان من الواضح حرص ترمب على ترك المهمة، أو النأي بنفسه وبإدارته وببلاده، عما كانت تعد له الضربة الإسرائيلية التي كان الرئيس الأمريكي قد ضغط على رئيس وزراء إسرائيل لإيقافها قبل ثمانية أشهر، في «حرب الاثني عشر يوما» التي حسمتها «مطرقة منتصف الليل». تلك العملية الشبحية الخاطفة -في ليلة حزيرانية «ما فيها ضوْ قمر» التي أكد ترمب مرارا أنها تكللت بالنجاح التام، في تدميرها ثلاث منشآت نووية هي نطنز وفوردو وإصفهان.
لذلك حرص ترمب بالتزامن مع بدء الإعلام الإسرائيلي بالتمهيد ومن ثم تأكيد تصفية «المرشد الأعلى للثورة الإسلامية في إيران» وما لا يقل عن أربعين من القيادات الأمنية والعسكرية العليا، حرص على الإفصاح عن عدة فرص متاحة أمام إيران في «يومها التالي»، يتمثل بتوفير «فرص» لتعليق الحملة الرامية إلى إسقاط النظام من الداخل، بأشبه ما كان تحميل الشعب الإيراني المسؤولية في تقرير مصيره، بعيدا عن قمع النظام المتهالك منذ عقود. ترمب اعتبر الأمر فرصة لن تتكرر أمام الأمة الإيرانية، مشددا على أنه ومنذ سبعة وأربعين عاما لم يمنحها أي من الرؤساء الأمريكيين بمن فيهم الرئيس الجمهوري الأيقوني رونالد ريغان، لذلك يعرف ترمب الآن ب»ريغان بْلَس» بحسب وصف السناتور الجمهوري الصقوري لِندسي غْرام.
يقال في الأمثال «اتقّ شر الحليم إذا غضب»، ويبدو أن الحِلم ما زال متاحا، لكنه قد لا يدوم أكثر من سبع وأربعين ساعة. سلوك إيران العدواني المتخبط إزاء دول الجوار العربية والمسلمة في رمضان الفضيل، وضع الجميع -جميع من تبقوا على قيد الحياة من الطبقة السياسية والعسكرية والأمنية والاقتصادية وحتى «الدينية» في إيران وأذرعها- وضعهم أمام مفترق طرق أخير: إما السير على خطى خامنئي الذي لم يتعلم من براغماتية خميني عندما تجرع مرارة الهزيمة بعد ثماني سنوات من الحرب، واضطر إلى وقف إطلاق النار مع عراق-صدام رغم العداء الشخصي المستحكم بينهما مذ كان خميني لاجئا في العراق هربا من الشاه الراحل.
الحِلم والحكمة و»النفَس الطويل» ليس بالحياكة وصناعة السجاد والمفاوضات و»الذبح بالقطنة»!، الحِلم والحكمة تكمن في الحكمة والفطنة، فما قيد النظر الآن ليس مستقبل نظام «ولاية الفقيه» بعد تصفية خامنئي ومن كانوا قابعين في التحصينات والأنفاق، بل ببقاء إيران كما تركها الشاه الراحل.
ما على المحك الآن هو عدم انفراط عقد إيران الإثنيّ، الفارسي والعربي والكردي والتركماني والأذري والبلوشي. وقد عانت إيران ما بعد الملكية، وكذلك الجوار العربي والكردي والباكستاني والأفغاني والتركي والأذري والأرميني، عانوا جميعا أهوال القمع العرقي والديني والمذهبي، بعد استيلاء من وصفهم الرئيس الأمريكي الراحل رتشارد نيكسون بمجموعة من الأشقياء الأشرار أو «البلطجية» على السلطة في طهران بالهوس الديني والقمع والتوسع المذهبي عام 1979.
من الآخر، وبعد تفشي أنباء هروب أزلام النظام عبر الجوار قبل وبعد تأكيد تصفية خامنئي، ثمة فرصة لتحقيق شعار رفعه ترمب في أواخر ولايته الأولى: لنجعل إيران عظيمة مجددا!
