قدم الدستور الإيراني غطاءً قانونياً لنفوذ الحرس الثوري الإيراني؛ حينما أجمل مهامه (المادة 150) ضمن «حراسة الثورة ومكاسبها»، وتعامل معه كأداة خارجية، ناقلاً بذلك الالتزام الإيديولوجي من مستواه الداخلي إلى نطاقه الأوسع، بإيكاله «مسؤولية الحماية وحراسة الحدود» و»تحمل أعباء رسالتها الإلهية»، ومطالبته (المادة 152) بـ»الدفاع عن حقوق جميع المسلمين»، وفي ديباجته حول «أسلوب الحكم في الإسلام»، بـ»نُصرة المستضعفين ضد المستكبرِين» في أنحاء العالم، حيث تضم أدبيات الثورة الإيرانية إشارات واسعة للشيعة بصفتهم «المستضعفين»، ولأعداء الأمة، المتنقلين بين الإقليم والغرب، لاسيما الولايات المتحدة، باعتبارهم «المستكبرِين»، انطلاقاً من الصورة السلبية للبيئة الإقليمية والدولية «المتآمرة» على الثورة، والتي وسمت بنية الثقافة السياسية والمجتمعية في إيران.
ويشي إيراد الدستور للحرس ضمن مادة منفردة بمكانته لدى النظام الإيراني ومؤسساته؛ إلا أن حالة الغموض التي اكتنفت دوره أحدثت خلطاً بشأن ماهية موقعه في البنية الأمنية والدفاعية الإيرانية، وطبيعة علاقته بالجيش النظامي للدولة. فرغم أنه يعد فرعاً من فروع القوات المسلحة، ولكنه من الناحية التنظيمية يتمتع بقيادة مستقلة تتلقى أوامرها من المرشد الأعلى مباشرة، مما جعله جيشاً عقائدياً موازياً وثقلاً نافذا يفوق قدراته القتالية بكثير.
ويتماهى القانون الخاص للحرس مع الفحوى الدستوري؛ حينما أقر بمسؤوليته عن «حماية الثورة وأمنها، قمع القوى المناوئة لها، دعم حركات التحرير في العالم، الحفاظ على أمن الحدود من تسلل الأسلحة والجواسيس والعلماء، إقامة الدوريات على الطرق والمدن لتأمين الأمن والحفاظ على الأموال والأرواح، وضرب الانفصاليين»، مُتجسداً بجهازه العسكري، الذي يتكون من قوات برية وبحرية وجوية، يُقدر عديد منتسبيها بنحو 190 ألف مقاتل، يخدم معظمهم، حوالي 150 ألفاً، في القوات البرية، مُدعماً بترسانة تسليحية متطورة وضخمة، من قوة صاروخية وجوية غير تقليدية تعتمد على الصواريخ الباليستية والكروز والطائرات المسيرة وأسلحة برية مُدعمة بمدرعات ومعدات مدفعية وقوة بحرية قائمة على الزوارق السريعة والدوريات الصاروخية، وميزانية تُقدر بنحو 6 مليارات دولار، فيما تتبعه قوات «الباسيج»، أو قوات التعبئة الشعبية شبه العسكرية، بعدما دُمجت إليه رسمياً (2009) عقب تأسيسها بأمر من الإمام الخميني (1979)، بقوام شبابي مُقدر بنحو 600 ألف متطوع مرشحين للزيادة إلى المليون عند الحشد، يشكلون أداة الحرس القمعية «لحفظ» الأمن الداخلي.
وتكمُن خطورة الحرس في توليه إدارة البرنامج النووي الإيراني والإشراف على أسلحة إيران الإستراتيجية، لاسيما الصواريخ الباليتسية ذات القدرة النووية، باعتبارها من أسلحة الدمار الشامل ودعامة أساسية لعقيدة الردع الإيرانية، بعيداً عن جدل ما إذا كانت مُصممة لتحمل رؤوساً حربية نووية أم تقليدية، فموضوع الصواريخ الإيرانية هنا مرتبط «بالنوايا» والمواصفات التقنية ومدى استعداد النظام لخوض لعبة «صفرية» ضد العدوان الأميركي– الصهيوني.
بينما تقف القوات البحرية، التي تضم نحو 20 ألف مقاتل، عند واجهة مهام الحرس؛ لدى استخدامها كأوراق وازنة مُمثلة بمضيق هرمز وباب المندب، أسوة بـ»فيلق القدس»، الذي يضم بين 25 إلى 50 ألف مقاتل، بصفته أداته التكتيكية لتنفيذ العمليات العسكرية والأمنية والاستخباراتية الإيرانية في المنطقة.
أما قوته الاقتصادية المتينة فتُغذي دوره الوازن داخل إيران وخارجها؛ والتي تعود تأصيلاتها الأولى لدعم المرشد الأعلى وتيسير الحكومة أسباب انخراطه الواسع في إعادة إعمار البلاد بعد الحرب مع العراق، بإجازة دستورية وقانونية، فيما تواصلت ثمارها عبر محطتي استغلال العقوبات الغربية ضد إيران في سد فراغ الشركات الأجنبية المغادرة، والتكسب من أزمتي سورية والعراق في تنفيذ مشاريع بالوكالة ضمن ساحتيهما المأزومتين، مما دشن بزوغ نواة تحولت بالتقادم إلى «إمبراطورية» صلبة تسيطر على ثلث الاقتصاد الوطني، وتندرج كثالث أغنى مؤسسة، بعد مؤسسة النفط ووقف الإمام رضا، في الجمهورية الإسلامية.
يُدير الحرس مؤسسة مالية وتجارية وخدمية ضخمة عاملة بالقطاعات الوطنية، لاسيما «مؤسسة المستضعفين» كأخطبوط اقتصادي ومقر «خاتم الأنبياء» المُتربع على عرش شركاته بامتلاكه 815 شركة شبه حكومية وعائدات سنوية تقدر بنحو 12 مليار دولار، إزاء حظوة نيلها عقوداً رسمية وازنة لتنفيذ المشاريع الحكومية.
استطاع الحرس التحكم في الاقتصاد الوطني وسط غياب أطر الشفافية والمساءلة القانونية الرسمية عن أنشطته تحت بند السرية، مما سمح لعائداته المُهولة بالتغلغل داخلياً وخارجياً.
