رشا كناكرية
هي أجواء استثنائية يعيشها الزائرون في وسط البلد، لا تتكرر إلا في شهر واحد من العام. شوارع تزدهي بالأضواء، ومحال مزينة تفتح أبوابها حتى ساعات الفجر، فيما تمضي العائلات وقتها بين الشراء والتجول وتذوق الأطعمة كأنها في رحلة رمضانية متكاملة.
وتتنوع الحاجيات التي يقصدها الكبار والصغار والمرتبطة بالشهر الفضيل، من زينة ومواد تموينية، إلى القهوة والحلويات والعصائر، قبل أن تختتم السهرة بوجبة سحور تجمع الأهل حول مائدة بسيطة مغلفة بالحب والدفء.
أجواء رمضانية تجذب الصغار والكبار
جملة تتردد على ألسنة العديد من الأسر في عمان وإربد وسائر المحافظات، مع حلول ليالي الشهر الفضيل: “يلا ننزل على وسط البلد نتمشى ونشوف أجواء رمضان”.
الرغبة في عيش أجواء عائلية مختلفة، تتداخل فيها رائحة الأطعمة الرمضانية مع أصوات المارة وضحكات الأطفال، في مشهد رمضاني لا يشبه أي شهر آخر من شهور السنة.
تتزين الشوارع بالأضواء والفوانيس، ويعلو صوت الباعة، بينما تمتلئ الأرصفة بالعائلات التي خرجت تبحث عن فسحة روحانية ودافئة في آن واحد.
بهذه الكلمات ينطلق الحماس داخل قلوب عائلة أبو عبد الله (55 عاما) لعيش أجواء رمضان المسائية في منطقة السلط، التي تتزين شوارعها بزينة رمضان التي لا مثيل لها: “يلا على شارع الميدان”.
ذكريات تستعيدها الأسر
ويبين أبو عبد الله أنه وعائلته اعتادوا في كل عام على الخروج والسير في أروقة شارع الميدان لعيش أجواء رمضان التي تدخل إلى قلوبهم البهجة والسرور وتشعرهم بروحانية الشهر الفضيل.
السلط، بجميع شوارعها، تعم فيها البهجة، حيث ترتسم الضحكات على وجوه الناس. يقول: “أحرص على أن يختبر أطفالي هذه البهجة ويصنعوا ذكريات في الشهر الفضيل ترافقهم العمر”.
بينما تتجه عائلة أبو ماجد (36 عاما) إلى تل إربد لعيش أجواء رمضان في كل نهاية أسبوع، ليصنع مع زوجته وأطفاله الصغار فرحة مختلفة تشبه تلك التي كان يعيشها مع عائلته في صغره.
ويقول أبو ماجد: “شعور مختلف لليالي رمضان إنك تتمشى عند ميدان الساعة، وتتسحر عند ياسين الفوال، وتشرب التمر الهندي من شوارع إربد.. هي نكهة خاصة برمضان، وبدي أطفالي يعيشوها ويضلوا متذكرينها”.
ليال رمضانية في أروقة وسط البلد
أما عائلة أبو هاشم (45 عاما)، فبعد الانتهاء من صلاة التراويح يجتمعون لقضاء ليلة رمضانية في أروقة وسط البلد، ورغم الأجواء الباردة إلا أنهم حرصوا هذا العام على قضاء ليلة رمضانية لا تُنسى.
ويبين أبو هاشم أن مجرد السير في أزقة وسط البلد وضجيج المارة له نكهة مختلفة في رمضان وروحانية خاصة، ورغم هذا الضجيج، هنالك سكينة وألفة تختلفان عن أي شهر آخر.
ويقول: “ما بنقدر ننكر أنه لوسط البلد سحر استثنائي في رمضان”، لذلك يحرص على اصطحاب أبنائه ليختبروا هذه الأجواء بأنفسهم، وليصنعوا ذكريات صغيرة لكنها عميقة الأثر.
جولة لا تتجاوز الثلاث ساعات بين الإفطار والسحور، لكنها كفيلة بأن تزرع في قلوب الأطفال معنى رمضان الحقيقي.
وهكذا، يصبح لليالي رمضان موعد ثابت في ذاكرة الصغار قبل الكبار، موعد ينتظرونه كل عام، ليعيدوا مع أسرهم اكتشاف جمال هذا الشهر، حيث تمتزج الروحانية بالفرح، وتتحول نزهة عائلية بسيطة إلى ذكرى لا تُنسى.
تعزيز الروابط الأسرية
وبدورها بينت استشارية النفس الأسري والتربوي حنين البطوش أن شهر رمضان المبارك يطل على القلوب بألوانه الروحانية، فتنثر أطيافه الغنية معاني الطمأنينة والدفء والسلام في نفوس العائلات، فهو الشهر الذي يعطر الأرواح بسعادة صادقة ويملؤها فرحا واستبشارا.
وتشير البطوش إلى أن هذه الأجواء تتجاوز كونها مجرد تسلية، فهي فضاء عملي لتعزيز الروابط الأسرية وتقوية شعور الأطفال بالأمان النفسي.
ومن منظور نفسي، أوضحت أن مشاركة الأطفال في هذه النشاطات بعد الإفطار تمنحهم شعورا بالانتماء، إذ يدركون حضور والديهم بجانبهم في بيئة مليئة بالبهجة والألوان والأصوات المميزة لشهر رمضان، حيث إن التنقل معا بين الشوارع والفوانيس والأكشاك يفتح فرصا للتواصل غير الرسمي.
كما يجدون لحظات ضحك ومزاح ومشاركة في اتخاذ قرارات بسيطة، مثل اختيار مأكولات أو ألعاب، ما يغرس الثقة المتبادلة ويقوي الروابط العاطفية بين أفراد الأسرة.
الذكريات الإيجابية تبني شخصية الطفل
أما تربويا فتبين البطوش أن النزهة تصبح درسا عمليا في قيم الاحترام، ومراعاة الآخرين، والانضباط، وملاحظة البيئة الاجتماعية، بعيدا عن التعليم النظري أو التوجيه المباشر، مما يجعل الطفل يتعلم بطريقة طبيعية وممتعة.
وتذكر البطوش أن الدراسات النفسية أظهرت أن الذكريات الإيجابية التي يشارك فيها الأطفال مع أهلهم تؤدي دورا أساسيا في بناء شخصية متوازنة اجتماعيا وعاطفيا، فالطفل الذي يعيش أجواء رمضان المليئة بالفرح والمودة الأسرية يكتسب ثقة أكبر في نفسه وقدرته على التعامل مع الآخرين، ويكوّن قاعدة قوية للأمان العاطفي تستمر معه طوال حياته.
ووفقا لذلك تؤكد البطوش أن النزهات العائلية بعد الإفطار وحتى السحور تجربة استثنائية، تمتزج فيها البهجة العائلية مع الروحانية الرمضانية، بين أضواء الفوانيس، وروائح الأطعمة الشهية، وضحكات الأطفال.
التواصل والمشاركة الحقيقية
وتبين أن الأسرة تعيش لحظات من التواصل والمشاركة الحقيقية، حيث يختبر الأبناء معنى الانتماء والأمان، ويكتشفون معاني التعاون والفرح المشترك بطريقة عملية وبسيطة، تترسخ في ذاكرتهم كذكريات رمضانية عميقة يرافقهم أثرها طويلا. وكاستشارية نفسية أسرية وتربوية، ترى البطوش أن النزهات الرمضانية العائلية ليست مجرد تسلية مؤقتة، بل أداة تربوية إستراتيجية لتعزيز الروابط الأسرية، وغرس القيم الدينية والاجتماعية، وصناعة ذكريات طويلة الأمد في ذاكرة الطفل.
ولتحقيق الفائدة القصوى تؤكد البطوش أنه ينبغي أن تكون هذه النزهات منظمة، ضمن أوقات محددة، بحيث لا تحدث تزاحما أو إزعاجا للآخرين، ويفضل اختيار أماكن هادئة تتخللها بعض المدائح والطقوس الرمضانية، مع الابتعاد عن السهرات الملهية أو الموسيقى الصاخبة.
فرصة لتقوية الروابط وتعليم القيم
وتشير البطوش إلى أن التجربة المشتركة بعد الإفطار وحتى السحور تنمي قدرة الأطفال على التواصل، وتعزز شعورهم بالأمان، وتغرس لديهم تقدير الوقت واللحظات المشتركة، بالإضافة إلى تعليمهم احترام الآخرين والمكان العام. وتوضح البطوش أن ما قد يبدو كجولة بسيطة في وسط البلد يتحول إلى فصل عملي في “مدرسة رمضان”، حيث تمتزج الروحانية بالفرح، ويصبح كل شارع مضاء وفانوس لامع فرصة لتقوية الروابط، وتعليم القيم، وتبني ذكريات لا تُنسى.
وتذكر البطوش أنه يمكن للأهل استثمار أجواء رمضان الخارجية، مثل النزهة إلى وسط البلد، لتحويلها إلى تجربة تربوية متكاملة تجمع بين المتعة والوعي القيمي، تبدأ التجربة بمحور الملاحظة والتفسير، إذ يشارك الأطفال في ملاحظة تفاصيل الشارع، مع شرح القيم الدينية المرتبطة بالعبادة، والكرم، وحسن التعامل مع الآخرين.
النزهة الرمضانية تتحول لتجربة روحية وعاطفية4
بالإضافة إلى محور المشاركة العملية، من خلال السماح للأطفال باختيار مأكولاتهم أو تقديم المساعدة في حمل أغراض صغيرة، ليشعروا بمسؤولية محدودة ضمن سياق مرح وتعليم عملي، حيث يمكن استثمار الوقت في محور الحوار القصير أثناء التجول، للحديث بأسلوب قصصي مبسط عن الصدقة، والتعاون، واحترام كبار السن، والاعتدال في الشراء.
وهذا بدوره يغرس القيم الاجتماعية والدينية بطريقة طبيعية بحسب البطوش، ويكتمل الأثر التربوي بمحور التقدير والامتنان، عبر تخصيص لحظة بعد العودة للمنزل لشكر الله على النعم والاحتفاء بما عاشوه خلال الجولة. وتختم البطوش حديثها مبينة أن هذه النزهة الرمضانية تتحول إلى تجربة روحية وعاطفية عميقة تترك أثرا طويل المدى في ذاكرة الطفل وتغرس في نفسه قيم الأسرة والمجتمع.
