عروبة الإخباري –
ما كتبته الجازي طارق السنافي لم يكن تعليقاً عابراً على حدثٍ طارئ، ولا مساهمةً ظرفية في سجالٍ إعلامي، بل كان موقفاً وطنياً مكتمل الرؤية، متماسك البنيان، صيغ بعقل الدولة لا بردة فعل اللحظة. كان نصاً يدرك أن الكلمة في زمن الأزمات ليست ترفاً بل مسؤولية، وليست رأياً شخصياً بل امتداداً لصورة وطن.
انحيازها للكويت لم يكن شعاراً مرتفعاً ولا عاطفةً منفلتة، بل انحيازاً واعياً، مشروعاً، يستند إلى فهم عميق لمعنى السيادة المعنوية وأهمية الصورة الذهنية في عالم تتشكل فيه المواقف عبر الشاشات قبل أن تُترجم في المواقف السياسية. هذا هو انحياز المسؤولية؛ انحياز من يعرف أن الدفاع عن الوطن لا يكون بالصوت الأعلى، بل بالطرح الأرسخ، ولا بالانفعال، بل بالاتزان.
تميّز طرحها بقراءة تتجاوز الحدث إلى ما وراءه. أدركت أن الأزمات الحديثة تُدار في الفضاء الإعلامي بقدر ما تُدار في الغرف السياسية، وأن المعركة على السردية لا تقل أهمية عن أي معركة أخرى. ولذلك جاءت دعوتها إلى تنظيم الجهد الإعلامي، وبناء إدارة متخصصة للأزمات، دعوة استراتيجية لا انفعالية، تُفكّر في المستقبل بقدر ما تتعامل مع الحاضر.
احترافها تجلّى في عدة مستويات متداخلة:
وضوح الفكرة من دون تبسيط مخل، وعمق الطرح من دون تعقيد مفتعل.
تسلسل منطقي يحترم عقل القارئ ويقوده من التشخيص إلى الحل.
فصل دقيق بين الغيرة الوطنية والإدارة العقلانية للأزمة.
انتقال من النقد إلى البناء، ومن الملاحظة إلى المقترح المؤسسي.
لم تبحث عن خصومة، ولم تصنع خصماً، ولم تلهث خلف العناوين المثيرة. كتبت بنبرة واثقة، هادئة، تعرف ما تقول ولماذا تقوله. وهذا النوع من الثقة لا يصدر إلا عن وعيٍ راسخ، وإحساس حقيقي بثقل الكلمة وأثرها.
الفرق بين من يكتب ليملأ مساحة، ومن يكتب ليصنع أثراً، يتضح هنا. بعض الأقلام تتفاعل مع الضجيج، أما هي فتنظّم الإيقاع. بعضهم يكتفي بوصف القلق، أما هي فتقترح مساراً للخروج منه. بعضهم يلوّح بالشعارات، أما هي فتطالب ببناء مؤسسي دائم يعزز جاهزية الدولة إعلامياً.
لقد انحازت للكويت كما ينبغي للكاتب الحقيقي أن ينحاز لوطنه: بعقلٍ يحلل، لا بعاطفةٍ تندفع؛ بحجةٍ تقنع، لا بعبارةٍ تثير؛ برؤيةٍ تستشرف، لا بردة فعلٍ آنية. لم تدعُ إلى تصعيد، بل إلى احتراف. لم تطلب مواجهة صاخبة، بل حضوراً منظماً وقادراً على حماية السردية الوطنية.
في زمنٍ تتزاحم فيه الأصوات وتختلط فيه الدوافع، يظل الصوت الذي يكتب بحبٍ واعٍ لوطنه، وبإدراكٍ عميق لمسؤولياته، هو الصوت الأصدق والأكثر تأثيراً. والجازي طارق السنافي قدّمت نموذجاً للكاتب الذي يجمع بين المهنية الصارمة والولاء الصريح، بين الرصانة الفكرية والغيرة الوطنية، بين وضوح الموقف وأناقة التعبير.
هكذا يكون القلم حين يمسك بالكويت:
قلمٌ يعرف قيمتها، فيكتب بما يليق بها، ويحمي حضورها، ويعكس ثقة دولة لا ترتبك… بل تُدير، وتُخطط، وتستعد.
