بقلم : د عبير العربي
في رمضان، لا ترتفع الدعوات من فراغ، ولا تُولد الأمنيات من ترف، حين تهمس البنات، اللهم رجلًا مثل” محمد سامي” فالأمر لا يتعلق باسمٍ بقدر ما يتعلق بمعنى، لا يتعلق بشهرة، بل بصورة رجلٍ بدا في نظرهن سندًا حقيقيًا في زمنٍ تآكل فيه الإحساس بالأمان، البنات اليوم لا يبحثن عن رجلٍ يملأ الصور، بل عن رجلٍ يملأ الفراغ حين يضيق العالم، لا يبحثن عن كلماتٍ منمّقة، بل عن حضورٍ ثابت، عن رجلٍ لا يُحوجها لأحد، لا عاطفيًا ولا ماديًا، لا يجعلها تستجدي مشاعر، ولا يساومها على حقها في الاحتواء، ولا يهدد أمنها النفسي إن اختلفت معه أو ضعفت أمامه.
حين يتداولن اسم “محمد سامي”، فليس لأنه مخرج ناجح فحسب، بل لأنه في نظر كثيرات لم يُخفِ زوجته خلفه، ولم يخشَ نجاحها، ولم يعزلها عن الضوء، تزوج امرأة طموحة فساند طموحها، لم يُصادره، منحها مساحة فكبرت، ولم يُشعرها أن حضورها ينتقص من حضوره، لم يتعامل مع نجاحها كتهديد، بل كامتداد، وتجلّى المعنى الأعمق في لحظة إنسانية خالصة، يوم وفاة والدها، لم يكن المشهد استعراضًا، بل رجل يدخل إلى عزاء النساء ليحتضن زوجته، يمسك بيدها، يربّت على كتفها، يقول لها بلغة الجسد قبل الكلام، “أنا هنا”، في تلك اللحظة لم يكن بطلًا دراميًا، بل زوجًا يفهم أن الحزن يحتاج كتفًا، وأن الألم لا يُعالج بالصمت البارد، ذلك المشهد البسيط في ظاهره، العميق في دلالته، لامس شيئًا داخل كثير من البنات، لأنهن يعرفن معنى أن تبكي امرأة وحدها، يعرفن معنى أن يكون الرجل حاضرًا جسدًا وغائبًا روحًا، يعرفن قسوة أن تُترك في أزمتها تواجه ضعفها منفردة، لذلك، فدعاء رمضان لم يكن انبهارًا، بل وعيًا، البنات أصبحن أكثر إدراكًا أن الحب ليس رسائل صباح الخير فقط، ولا كلمات أمام الناس، بل موقف في لحظة انكسار، أن الرجولة ليست سلطة ولا صوتًا عاليًا، بل مسؤولية واحتواء، أن الرجل الحقيقي لا يجعلها تخاف منه، ولا تخاف عليه، ولا تخاف بسببه في زمنٍ كثرت فيه النماذج المرتبكة، رجال لا ينفقون بما يكفي ثم يطالبون بالطاعة، لا يمنحون الأمان ثم يغضبون من القلق، لا يدعمون ثم يتهمون بالضعف، بل أحيانًا يشاركون في صناعة الألم ذاته، يصبح من حق البنات أن يحلمن بنقيض ذلك، برجلٍ لا يضغطها عند ضعفها، لا يستخدم المال أداة سيطرة، لا يجعل الكرامة ثمن الحب، هي لا تريد رجلًا كاملًا، تريد رجلًا مسؤولًا، رجلًا يكون أول المساندين في أزماتها، لا آخر من يعلم، حضنه يتسع لألمها، وصوته يهدئ ارتباكها، ووجوده يجعل الأشياء الثقيلة أخف، تشعر أن الحياة مهما اشتدت هينة في وجوده، إن كانت هذه دعوة البنات في رمضان، فهي دعوة عادلة، ولاننى أؤمن باهمية رجل ك”محمد سامي” فاللهم ارزقهن رجلًا لا يكسرهن، لا يُصغّر أحلامهن، لا يُطفئ نورهن، رجلًا يرى في نجاحها فخرًا، وفي ضعفها أمانة، وفي وجودها شراكة لا عبئًا، فالحب في جوهره، ليس حاجة عاطفية عابرة، بل كرامة إنسانية كاملة.
لكن الحكاية لا تقف عند حدود الدعاء، فإذا كانت البنات يرفعن أكفّهن في رمضان طلبًا لرجلٍ سند، فالمسؤولية لا تقع على السماء وحدها، بل تبدأ من الأرض من البيوت، من الآباء والأمهات، ادعموا بناتكم لاختيار الرجل المناسب، لا الرجل “المتاح”
ربّوهن على أن الزواج شراكة وعي لا صفقة استعجال، علموهن أن الحنان ليس ضعفًا، وأن العطف ليس رفاهية، وأن الرجل الذي يقدّس البيت والأسرة هو الرجل الذي يستحق أن يُبنى معه العمر، قولوا لهن إن الرجل الحقيقي لا يعيش مهددًا بفكرة هدم البيت عند كل خلاف، ولا يلوّح بالانفصال كسلاح ضغط، ولا يستخدم الطلاق كفزاعة، الرجل السويّ يمتلك مفردات البناء لا الهدم، يعرف كيف يحتوي الأزمة بدل أن يوسّعها، وكيف يُصلح بدل أن يكسر، الأب الذي يحترم أم بناته، يمنحهن معيارًا، والأم التي ترفض الإهانة، تعلّم ابنتها معنى الكرامة، رحلة الوعي لا تبدأ ليلة الخطوبة، بل منذ الطفولة، البنات — وحتى المطلقات — لسن خارج دائرة الأمل، فالأمل لا يزال يحيط بهن، مهما تعثرت التجاربد لذا الطلاق ليس نهاية القيمة، ولا تجربة فاشلة تعني أن النصيب انتهى، بل قد يكون وعيًا متأخرًا أنقذ ما تبقى من العمر، أما من وقعت بهن الفأس في الرأس، فالقصة لم تنتهِ بعد، الوعي بداية النجاة، والقرار الشجاع بداية التعافي، والدعم المجتمعي الصادق بداية طريق جديد، ليست الدعوة إذن مجرد أمنية برجلٍ يشبه نموذجًا رأيناه، بل دعوة لثقافة كاملة تعيد تعريف الرجولة، رجولة مسؤولة، حنونة، عادلة، ثابتة، وفي زمنٍ كثرت فيه خيبات التجارب، يبقى الأمل فعل مقاومة، وتبقى الدعوة في رمضان إعلان إيمان بأن الله لا يخذل قلبًا طلب الأمان بصدق.

#image_title
