عروبة الإخباري –
الدستور – رنا حداد –
لم يعد رمضان يعيش في البيوت فقط، بل أصبح حاضرًا على الشاشات أيضاً، حيث تتقاطر صور موائد مثالية، ووجوه مبتسمة، وأجساد لم تتأثر بالصيام، وعبادات مكثفة، وزوايا منزلية مرتبة بلا فوضى. كل صورة تبدو وكأنها تحكي عن رمضان بلا تعب، بلا لحظة ضعف، بلا ارتباك، وكأن كل يوم مثالي ومكتمل.
المشكلة ليست في المشاركة نفسها، بل في المقارنة الصامتة التي تتسلل إلينا بلا وعي. نشعر أحياناً أن يومنا العادي أقل قيمة، أن تعبنا أقل جدوى، وأن بساطتنا لا تليق بالعرض أمام هذا المسرح الرقمي. ننسى أن الصور والمقاطع المصوّرة تمثل لحظات منتقاة، غالباً ليست كل القصة، وليست كل التفاصيل التي تشكل رمضان في واقعنا اليومي.
الحياة خارج الإطار المصوَّر مختلفة تماماً. هناك أطباق لم تُلتقط، مشاعر لم تُوثَّق، أعمال خيرية صغيرة لم تُنشر، وعبادات صامتة لا يعلم بها أحد.
في الغالب، هذه التفاصيل الصامتة هي التي تمنح الشهر معناه الحقيقي، فهي تتعلق بالنية، بالاستمرارية، بالصبر على التعب، وبالقدرة على الشعور بالامتنان لكل لحظة صغيرة نعيشها.
رمضان الحقيقي لا يحتاج جمهوراً، ولا ينتظر الإعجابات أو التعليقات. يكفي أن يكون صادقاً، أن يكون يومك فيه حقيقيًا، أن تتذوق فيه معنى الصوم والعبادة والعطاء، حتى لو بدا بسيطاً أو متواضعاً. الصدق في التعامل مع النفس ومع الآخرين، والقدرة على الاحتفاء باللحظات اليومية، هما ما يمنحان رمضان طعمه وروحه الحقيقية، بعيداً عن المقارنات الرقمية التي قد تخدعنا أو تثقلنا بلا داعٍ.
