عروبة الإخباري –
حين تناولت الأستاذة الدكتورة فلك مصطفى الرافعي مفهوم “كيمياء الزعامة”، لم تكن بصدد عرض بلاغي عابر، بل قدمت رؤية فكرية وفلسفية متكاملة، تعيد تعريف القيادة بوصفها تفاعلاً أخلاقيًا وإنسانيًا متكاملاً. لقد نجحت الدكتورة فلك في نقل الكاريزما من سطح الصورة والمظهر إلى جوهر منظومة القيم التي يتكوّن منها القائد الحقيقي، حيث لا يكتمل أثر الزعامة إلا بانسجام عناصرها: الرسالة، الاتساق الداخلي، القدرة على التأثير، الذكاء الاجتماعي، وحسن توظيف الموارد.
فالزعيم، كما صاغته، ليس من يملك أدوات النفوذ فحسب، بل من يحسن صهرها في بوتقة الأخلاق ليصبح مصدرًا للإلهام، وقوةً تحرّك الناس نحو الحق، ويترك أثرًا خالدًا في ضمير المجتمع. إن الزعامة، في هذا التصور، ليست امتيازًا يُمنح، بل مسؤولية تُستحق، ومشروع حياة يُقاس بمقدار ما يُقدّم للناس قبل أن يُستلم.
الزعامة رسالة لا تُشترى
في موقف قريش من محمد صلى الله عليه وسلم، تتجلى أعظم قاعدة في فلسفة الدكتورة فلك: أن الزعامة التي تُعرض بالمال والجاه لا تدوم، وأن الزعامة التي تبنى على الرسالة تبقى. لقد رفض النبي الكريم كل مغريات السلطة، لأن رسالته أسمى من أن تُختزل في ملك زائل، وهنا يتجسد أول قانون في “كيمياء الزعامة”: الثبات على القيمة، والولاء للمبدأ قبل المكسب، والتمسك بالرسالة فوق كل اعتبار.
الإنسان أولًا: عبقرية القرب
وتؤكد تجربة Abraham Lincoln أن الزعامة ليست منصّة خطابية بل علاقة حيّة مع الناس. المبادرات الإنسانية اليومية، التفاعل الصادق مع أفراحهم وأتراحهم، والقدرة على بناء جسور الثقة، تصنع شرعية القائد الحقيقية، وتحوّل الكاريزما إلى تأثير ممتد في المجتمع. هنا نرى أن الكيمياء الاجتماعية هي عنصر أساسي: عندما يذوب الحاجز بين القائد وجمهوره، يتحول الخطاب إلى حوار، والزعامة إلى شراكة وجدانية.
المال بين الخلود والسقوط
وبين كرم حاتم الطائي وغرور قارون، تظهر طبيعة المال كعنصر محايد يتحوّل إلى قوة بناء أو أداة هلاك. فالمال الذي يُوظَّف بالعدل والكرم يخلّد صاحبه في الذاكرة الجمعية، بينما المال الذي يُستعمل للتكبّر والاستعلاء يجر صاحبه إلى السقوط والهلاك. وكذلك يظهر الفرق بين طغيان فرعون وعدل عمر بن عبد العزيز، فيتعلم القارئ أن السلطة المبنية على البطش تزول، بينما الزعامة المبنية على العدالة تتخلد عبر الأجيال.
تجلّي النظرية في الميدان: الأمير ماجد نمر العدوان وحادثة صلاة التحدي
إن التاريخ الأردني يقدم صورة عملية حيّة لكيمياء الزعامة، في شخصية ماجد نمر العدوان، أمير البلقاء، الذي جسّد كل عناصر القيادة في مواقفه التاريخية.
في حادثة “صلاة التحدي” في المسجد الأقصى، حين حاول المندوب البريطاني منع صلاة الجمعة، لم يكن موقف الأمير مجرد احتجاج، بل كان ترجمة مباشرة لعناصر الزعامة: وضوح الرؤية، سرعة القرار، القدرة على الحشد، وتحويل الإيمان بالقضية إلى فعل جماعي منظم. لبّى رجال العشائر النداء، وشدّوا الرحال إلى القدس، فكانت الصلاة بيانًا سياديًا بقدر ما كانت شعيرة دينية، وتجسيدًا حيًّا للكيمياء القيادية: اتحاد الشجاعة بالإيمان، والغيرة بالحكمة، والهيبة بالتواضع، والقرار بالفعل.
تحالف الفحيصية والعدوان
وفي مثال آخر يتجاوز مجرد القيادة اليومية، نرى قوة زعامة العدوان في حادثة تاريخية حوالي سنة 1757م، حين أفضى موقف الأمير ماجد العدوان إلى توثيق أخوة استراتيجية بين قبيلته والفحيصية (غالبية مسيحية)، بعد صراع طويل مع الأمير جودة المهداوي.
القصة تبدأ عند نبع ماء الفحيص، حيث أظهر العدوان حكمة وذكاء استراتيجيًا: المهداوي يطلب الزواج من ابنة الكاهن، وأهل الفحيص لا يستطيعون مواجهته مباشرة، فيلجأون إلى تحالف مع العدوان. أرسل الفحيصية رسائل طالبين المساعدة، فتصرف الأمير وفق قواعد العدالة والشجاعة التي رسّختها فلسفة القيادة لديه، واستُخدمت العقلانية والدهاء العسكري لإنهاء الحرب الطويلة (18 عامًا)، واستعادة الحق، وقتل جودة المهداوي، وتأمين ثأر أبيه.
وفي هذا التحالف والذي أصبح رابطًا أخويًا دائمًا بين الفحيصية والعدوان، ومصدرًا للقصائد الشعبية التي تثبت الأخوة والتلاحم، وامتدادًا حيًّا لمبدأ العدالة والهيبة، وتجسيدًا حيًّا لمفهوم الزعامة الذي تقدمه الدكتورة فلك: انسجام المبادئ مع الفعل، والقيم مع القوة، والشجاعة مع المسؤولية.
الزعامة كيمياء كونية: انسجام العناصر
في عمق طرح الدكتورة فلك، تتجلى الفكرة الجوهرية: الزعامة تناغم لا صخب. هي اتساق داخلي بين الفكر والسلوك، بين العلن والسر، بين القدرة والضمير. ليست مسرحًا للضوء، بل محرابًا للمسؤولية. فالزعيم الذي يملك عنصرًا ويفتقد آخر يشبه معادلة ناقصة. الكيمياء الحقيقية للزعامة لا تتشكل إلا حين تتوازن كل عناصرها: القوة، الرسالة، الشجاعة، العدالة، الحكمة، والإيمان.
الزعامة نور في الضمير
إن “كيمياء الزعامة” نصٌّ يرقى إلى البيان الحضاري والأخلاقي، إذ يربط بين:
* الرسالة النبوية، التجربة الإنسانية الحديثة، النماذج التاريخية الأصيلة، التجربة الأردنية في شخصية الأمير ماجد العدوان. الزعامة ليست لقبًا، بل قدر أخلاقي. ليست ميراثًا، بل استحقاقًا يتحقق بالأفعال. ليست صدى صوت، بل صدق موقف.
ومن خلال مواقف الأمير العدوان وتحالفه مع الفحيصية، نرى كيف تتحول فلسفة الدكتورة فلك النظرية إلى واقع حيّ، قادر على تشكيل المجتمعات، حماية القيم، وصناعة أساطير تاريخية حقيقية لا تُنسى.
هي بحق الكيمياء التي لا تُصنع في المختبرات، بل تُصقل في ميادين الإيمان، العدل، والشجاعة، حيث يولد القائد الأسطوري الذي تصل زعامته إلى عروش القلوب قبل عروش الحجر.
