عروبة الإخباري –
الدستور نضال برقان –
«دردشة ثقافية» فسحةٌ نتجوّل عبرها في المختبر الإبداعي لكوكبة من المبدعات والمبدعين الأردنيين والعرب. نستحضر فيها ثلاثة من أكثر الأسئلة التصاقًا بالكتابة وشجونها: لماذا نكتب؟ ولمن نكتب؟ ومتى نكتب؟ ثم ننطلق إلى فضاءات الفكر والأدب والإبداع بأجناسه المختلفة، إضافة إلى شجون اجتماعية وسياسية.
في دردشتنا هذه نستضيف الأديبة الأردنية حنان بيروتي.
بداية، لو طُلب منك أن تعرّفي بنفسك للقراء بشيء من البوح، أو بكثيرٍ منه، فماذا تقولين؟
– حنان بيروتي، معلمة وكاتبة. حياتي منقسمة بين الأدب الذي منحته طواعية بعض عمري، والتعليم الذي أخذ حياتي كلّها. من أجمل انتصاراتي اختياري دراسة اللغة العربية وتدريسها، ومواصلة الاشتغال بها قرابة ثلاثة عقود، عشتُها كما عشتُ الكتابة: بصدق ودهشة طفلة.
اخترتُ التقاعد لأنني لم أعد قادرة على تعليل مواضع كسر همزة «إنّ» لوجوهٍ صغيرة يكسرها البرد أو التفكك الأسري، أو إعراب جمل اسمية وفعلية في زمنٍ لا محلّ له من الإعراب.
بدأت علاقتي بالكلمة في مرحلة مبكرة من حياتي، مصادفةً، خلال إحدى العطل الصيفية الطويلة. تسلّقتُ «السُدّة» في بيتنا، فعثرتُ على مجموعة كبيرة من الكتب والمجلات الثقافية التي أودعها والدي – رحمه الله – هناك، إذ لم يكن في البيت متسع لمكتبة مستقلة. من تلك الغرفة ذات السقف المنخفض ارتفعت أحلامي، ونسجت علاقتي بالكلمة. كنت أمضي ساعات طويلة لا أشعر بالوقت؛ أرتشف الكلمات، أتصفح المجلات، وأقرأ كأنني أرتوي من عطش الحياة. أفتح نوافذ الخيال في مدى مغلق، وبدأت بعدها، في سن صغيرة، الكتابة والنشر في الصحف المحلية.
طيلة رحلتي مع الكلمة لم أكتب إلا بحبر القلب، ولا أستطيع صوغ الحروف إلا وهي معمدة بماء الصدق. الكتابة بحثٌ مضنٍ عن نقطة ضوء في آخر نفق طويل؛ فعلٌ يبدو هادئًا لكنه في الحقيقة صدى لصراخ ممتد. ورغم امتداد تجربتي زمانيًا، تعرّضت لكثير من محاولات البتر، وكاد خيط الإبداع يفلت من يدي مرارًا. ورغم هدوئي الظاهري وتجنّبي النقاشات، تعترك في داخلي أسئلة بلا توقف، وعين تقرأ ملامح الوجوه، وبركان احتجاج على قبح العالم. ما أكتبه هو وجهي الحقيقي، بلا مواربة.
لماذا تكتبين؟ ولمن تكتبين؟ ومتى تجدين نفسك في الحالة الأصدق للكتابة؟
– لماذا تستحضر الذاكرة وجوه الغائبين حين يهطل المطر؟ وهل لكل «لماذا» سبب؟ حين يتعلق القلب بنافذة البوح، وترنّم النفس قصيدة، وتزهر الحروف بلا موسم في الأعماق، لا يكون ثمة سبب بعينه. الكتابة جزء من تكويني، ومكوّن من نظرتي إلى ذاتي والوجود؛ نبضي الذي أرسم به مفردات الحياة وأتعامل مع الواقع من خلاله.
هي حاجة لم تستطع الحياة بترها، رغم محطات الاستنزاف ووسائل الضغط والحصار التي مورست وتُمارس ضد المرأة المبدعة. لا أدري إلى أي مدى قاومتُ ودافعتُ عن وجودي الإبداعي، ومدى تأثر نتاجي بحراب الرفض والتخويف، لكنني أعلم أن حصون دفاعاتي كانت منيعة، فتمسكتُ بمشروعي طيلة عقود، رغم الانتكاسات ومحطات التوقف والتدجين، وفوضى النشر التي لم تكن تخضع دائمًا للتراتب الزمني للكتابة.
في هذه المرحلة من العمر، ومع إقامتي خارج الوطن في السنوات الأخيرة، أمنح نفسي محطة استراحة وتأمل واختزان لتجارب جديدة، ولو جاءت على طبق من تعب. ما زال في قلبي نبض من حروف، لكنني أتأنّى في نزفها على الورق. الكتابة ليست واجبًا ولا عادة؛ هي نبض يدل على أن القلب ما يزال قادرًا على بث الحياة، ورغم الأسلاك الشائكة، ما يزال طائر الإبداع يحلم بالتحليق، حتى وإن تجرحت جناحاه.
أكتب لمن يشبهون صوتي الداخلي، لمن يجالسون النص في مساحة بوح هادئة بعيدًا عن ضجيج المحيط وزيفه.
لا أكتب إلا حين أكون متصالحة مع ذاتي، وأسعى عبر الكتابة إلى خلق حالة – ولو مؤقتة – من التصالح مع المحيط. تزدهر شهيتي للكتابة في المسافة الوسطى بين الاستقرار النفسي وحدّة الضغوط؛ لا أستطيع الكتابة في ذروة الصدام أو في ذروة الفرح. في المرحلة الرمادية تزدهر كتابتي، كأنني أحاول عبرها تجاوز الخيبات ورسم درب للحظات مزهوّة بلون فرح.
هل تخشين أن يتحوّل صوتك الإبداعي إلى تكرار ذاتي؟ وكيف تراقبين ذلك أو تقاومينه؟
– أكتب بروح مليئة بأحلام شفافة تحلّق من واقع ضيق، لكنها تحمل مفرداته وتحاول تأثيثه بالجمال والعدالة والحب. كتاباتي تشبه زهرة صغيرة نبتت بين شقوق الصخر. لا أنشر عملًا إلا حين أشعر أنه يحمل إضافة، لكنني أؤمن أن كل نتاج إبداعي يحمل شيئًا من ملامح ما سبقه.
كل نص حالة متفردة وامتداد لتجربتي في آن، وبعض التكرار وارد وطبيعي لدى أي مبدع، وإن بدرجات متفاوتة. أجمل لحظة حين أتلقى تفاعلًا من قارئ؛ أشعر أن صراخي المهذّب في وجه القبح لم يذهب سدى.
أما الذكاء الاصطناعي، فقد أخذ يتغلغل في مفاصل حياتنا، ومنها الإبداع. تعاملي معه حذر ومحدود، وأشعر بحسرة عند التفكير في الاتكاء عليه إبداعيًا. ثمة خشية من سوء استخدامه، وكأنه تحايل على الموهبة الأصيلة. أؤمن أن للحروف نبضًا وبصمة لا يحملها إلا المبدع الحقيقي. قد يأتي زمن تصبح فيه الكتابة بلا روح كما بعض الوجوه في زمن حمى التجميل، لكنني أثق أن النص الصادق يفضح الاصطناع، وأن المتلقي الذكي يميز روح النص من قناعه.
هل المشهد الثقافي منصف للمبدعين؟ أم أن ثمة أصواتًا تُهمّش لصالح أخرى أقل إبداعًا؟
– الإنصاف في المشهد الثقافي نسبي، كما هو في المشاهد الأخرى. لا وجود لعدالة مطلقة إلا في المدينة الفاضلة. على الكاتب أن يسعى بجد لإيصال صوته. صحيح أن بعضهم يبني شبكة علاقات تمهّد له الطريق، لكن النص الجيد يفرض نفسه، والمبدع الحقيقي قادر على نسج تجربته بعيدًا عن الضجيج والمجاملات. ثمة تسليط نقدي على تجارب وإغفال أخرى، وتلميع أسماء دون غيرها، وهذا مؤسف، لكنه لا يشغلني. كل تلميع مفتعل وقتي، والذائقة وجودة النص هما الحكم. الساحة تتسع للجميع، وتعدد الأصوات يغني المشهد الثقافي، ولدينا أصوات محلية وصلت إلى آفاق عربية وعالمية مشرّفة.
ما أبرز انشغالاتك الأدبية الراهنة؟ وأي الأسئلة تقود كتابتك اليوم؟
– أعيش مرحلة اختزان بفعل تجربة الإقامة خارج الأردن. أبرز انشغالاتي القصة القصيرة، ولدي مجموعة معدّة للنشر؛ فالقصة هويتي الأدبية الأبرز، إلى جانب كتابة المقالة. تشغلني أسئلة الهوية وضياع روح الأصالة في زمن متسارع. العصر الرقمي يسرق الوقت ويشتت الفكرة، ويفرغ العلاقات من دفئها الحقيقي. وحدها بقعة الضوء في النفس تقاوم العتمة وتمنح ومضة شغف. تؤرقني أسئلة الفرد المعاصر في ظل الذكاء الاصطناعي، مقابل غباء بشري يتفنن في إنتاج الكراهية والاستعلاء. كيف نصون المنظومة القيمية في زمن الشاشات التي أصبحت شريكًا أساسيًا في تنشئة الجيل؟ كيف نضبط تدفق المعرفة والفوضى في آن؟ إنها مرحلة حرجة، تتطلب وعيًا مضاعفًا ومسؤولية أكبر.
أخيرًا، كلمة للمبدعين الشباب؟
– نحن في زمن مرفّه بالتكنولوجيا وزاخر بالمعلومة. أبحروا بهدوء، ولا تتعجلوا الوصول. لا بأس بنشر النصوص أحيانًا عبر المنصات، لكن التفاعل لا يعكس بالضرورة القيمة الإبداعية. النشر السريع قد يشوّش بوصلة المبدع ويمنحه شعورًا زائفًا بالاكتفاء.
أبقوا مشاريعكم الإبداعية بعيدًا عن ضجيج الشاشات، وانسجوها على مهل، تمهيدًا للنشر الورقي بعد التمكن من الأدوات. الإبداع سفر لا ينتهي؛ والوصول إلى الضفة التالية بمركب صنعته أيديكم، خير من التعلق بسفينة تمضي إلى وجهة لا تشبهكم.
