كتبت الإعلامية باتريسيا سماحة –
ليس سهلًا أن تقترب الدراما من جرح لم يلتئم بعد، وليس سهلًا أن يقرّر عمل تلفزيوني أن يدخل منطقة الألم الصافي، بعيدًا عن الإثارة المجانية أو الاستثمار العاطفي الرخيص. لكن مسلسل المحافظة 15، المعروض عبر شاشة MTV Lebanon، اختار أن يفعل ذلك تمامًا: أن يفتح الباب على الذاكرة الثقيلة، وأن يضع المشاهد أمام سؤال أخلاقي وإنساني قبل أن يكون دراميًا.
جرأة الطرح… ومسؤولية الحكاية
من خلال نص كتبته وتجرأت عليه كارين رزق الله، يدخل العمل إلى واحدة من أكثر القضايا حساسية في الوجدان العربي: قضية السجون السورية وتجربة المعتقلين السابقين.
الخطورة هنا لا تكمن فقط في حساسية الملف سياسيًا، بل في هشاشته إنسانيًا. فالمسافة بين الصدق والاستغلال مسافة دقيقة جدًا، وأي انزلاق كان كفيلًا بتحويل المعاناة إلى مشهدية فارغة.
إلا أن “المحافظة 15” اختار أن يروي الألم بهدوء. لم يرفع صوته، ولم يتكئ على خطاب مباشر، بل ترك التفاصيل الصغيرة تتكلم: نظرة، صمت طويل، ارتباك جسد لم يعتد الحرية بعد. هنا تكمن قوة النص… في ما لا يُقال بقدر ما يُقال.
يورغو شلهوب… تمثيل بحجم الذاكرة
أما أداء يورغو شلهوب، فهو واحد من تلك الأدوار التي لا تُنسى بسهولة. لم يلعب شخصية “سجين سابق” بوصفها حالة درامية عابرة، بل حملها كثقل داخلي دائم. أداؤه لم يعتمد على الانفعال العالي، بل على انكسار داخلي صامت.
في كل مشهد، كان هناك شعور بأن الشخصية لا تزال عالقة بين جدران الماضي، حتى وهي تسير في شوارع مفتوحة.
هذا النوع من التمثيل لا يُتقن إلا حين يختار الممثل أن يختفي خلف الشخصية، لا أن يستعرضها. وهنا قدّم شلهوب درسًا في الصدق، وفي احترام وجعٍ لا يخص الخيال فقط، بل واقعًا عاشه كثيرون.
إخراج يعرف متى يصمت
يحمل توقيع الإخراج اسم سمير حبشي، الذي تعامل مع المادة بحساسية واضحة. الكاميرا لم تكن فضولية، ولم تتعامل مع الألم بوصفه مشهدًا استعراضيًا. بل بدت أقرب إلى شاهد صامت، يراقب دون أن يقتحم.
الإيقاع أيضًا لعب دورًا أساسيًا. فالمسلسل لم يركض خلف التشويق التقليدي، بل اختار التمهّل، وكأن الزمن نفسه جزء من الحكاية. وهذا التمهّل منح المشاهد فرصة للتورّط عاطفيًا، لا لمجرد المتابعة.
الدراما اللبنانية حين تختار العمق
في السنوات الأخيرة، خاضت الدراما اللبنانية تجارب متعددة، بين الاجتماعي والرومانسي والكوميدي. لكن “المحافظة 15” يضعها في مساحة مختلفة: مساحة المواجهة. مواجهة الذاكرة، ومواجهة الأسئلة الصعبة، ومواجهة الألم الذي لا يزال حاضرًا في بيوت كثيرة.
العمل لا يدّعي تقديم إجابات نهائية، ولا يرفع شعارات. لكنه يذكّر بأن الفن يمكن أن يكون فعل اعتراف، وأن الشاشة الصغيرة قادرة أحيانًا على حمل قضايا أكبر من حجمها.
في النهاية، “المحافظة 15” ليس مجرد مسلسل في موسم مزدحم بالأعمال. إنه محاولة لقول ما يصعب قوله، ولفتح جرح ليس بهدف تعميقه، بل كي لا يتحوّل إلى نسيان.
فالدراما، حين تكون صادقة، لا ترفّه فقط… بل تشهد.
