عروبة الإخباري –
في كل تجربة ديمقراطية، تمثّل الانتخابات لحظة حاسمة لتجديد الشرعية ومحاسبة السلطة. لكن عندما يُطرح خيار تأجيل الانتخابات، يتبدّل المشهد من تنافس سياسي إلى جدل دستوري وأخلاقي: هل هو قرار اضطراري تفرضه ظروف قاهرة، أم خطوة سياسية تخدم أطرافًا بعينها؟
أولاً: مبررات التأجيل
تُساق عادةً عدة أسباب لتبرير التأجيل، منها:
ظروف أمنية غير مستقرة.
أزمات صحية عامة (كما حدث في دول عدة أثناء جائحة كورونا).
خلافات قانونية أو طعون حول القوانين المنظمة للعملية الانتخابية.
عدم جاهزية فنية أو لوجستية.
في بعض الحالات قد تكون هذه المبررات واقعية وموضوعية، لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول “الاستثناء” إلى قاعدة.
ثانياً: من قد يستفيد سياسيًا؟
السلطة القائمة
غالبًا ما يُنظر إلى أن الجهة الأكثر استفادة من التأجيل هي الحكومة أو الحزب الحاكم، خاصة إذا كانت استطلاعات الرأي تشير إلى تراجع شعبيته. يمنح التأجيل وقتًا إضافيًا لترميم الصورة، تمرير قرارات شعبوية، أو إعادة ترتيب التحالفات.
قوى سياسية غير جاهزة
بعض الأحزاب أو المرشحين قد يجدون في التأجيل فرصة لإعادة تنظيم الصفوف، جمع التمويل، أو توسيع قواعدهم الشعبية.
قوى إقليمية أو دولية
في بعض الدول ذات الحساسية الجيوسياسية، قد تستفيد أطراف خارجية من استمرار وضع سياسي معيّن، فتدعم ضمنيًا خيار التأجيل للحفاظ على توازن يخدم مصالحها.
مراكز النفوذ الاقتصادية
استمرار سلطة بعينها قد يضمن استقرار امتيازات أو عقود أو سياسات اقتصادية تخدم فئات محددة.
ثالثاً: من قد يتضرر؟
الناخبون الذين يُحرمون من حقهم الدوري في الاختيار والمحاسبة.
المرشحون الجاهزون الذين استثمروا وقتًا وموارد استعدادًا لموعد محدد.
الثقة العامة في النظام السياسي، إذ قد يُفسَّر التأجيل كإشارة ضعف أو تلاعب.
رابعاً: بين الضرورة والمصلحة
ليس كل تأجيل بالضرورة خطوة سلبية؛ فبعض الدول لجأت إليه في ظروف قاهرة لحماية الأرواح أو ضمان نزاهة العملية الانتخابية. لكن الفيصل هنا هو:
الشفافية في القرار.
تحديد موعد بديل واضح وملزم.
توافق وطني أو رقابة قضائية مستقلة.
خلاصة
يبقى سؤال “من المستفيد؟” مرتبطًا بالسياق السياسي لكل دولة. غير أن القاعدة العامة تقول: كلما طال أمد السلطة دون تجديد شرعي مباشر من الشعب، زادت الشكوك حول دوافع القرار. الديمقراطية لا تُقاس فقط بإجراء الانتخابات، بل باحترام مواعيدها وقواعدها..
