تعد تصريحات سفير الولايات المتحدة الأمريكية لدى دولة الاحتلال الإسرائيلي والتي تذهب إلى حد التسليم بإمكانية سيطرة إسرائيل على الشرق الأوسط بأسره بما في ذلك الضفة الغربية، قفزة صادمة خارج منطق الدبلوماسية الرشيدة والواقعية السياسية وانزلاقا خطيرا نحو خطاب يشرعن التفوق بالقوة على حساب القانون، خاصة وأن مثل هذا الطرح حين يصدر عن ممثل رسمي لدولة عظمى، فإنه قد يقرأ باعتباره رسالة سياسية ثقيلة الوطأة، تعيد تشكيل حسابات الفاعلين، وتهز أسس التوازن الإقليمي، وتبعث بإشارات مقلقة مفادها أن قواعد النظام الدولي يمكن إخضاعها لاعتبارات الهيمنة، في منطقة مثقلة أصلا بالتوترات والصراعات المفتوحة، ومؤشرا على توجهات تحمل في طياتها احتمالات تصعيد تمس حاضر الشرق الأوسط ومستقبله.
هذه التصريحات التي على ما يبدو أنها تنطلق من خلفيات أيديولوجية حالمة تصطدم مباشرة بالمرجعية القانونية الدولية التي نظمت التعامل مع القضية الفلسطينية منذ عقود، والتي اعتبرت الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية وقطاع غزة أرضا محتلة وفق قواعد القانون الدولي وقرارات مجلس الأمن، وفي مقدمتها القرار 242 والقرار 338 والقرار 2334، التي أكدت عدم جواز الاستيلاء على الأراضي بالقوة، ورفضت شرعية الاستيطان، ودعت إلى تسوية سياسية تقوم على إنهاء الاحتلال وتحقيق سلام عادل، وهي القرارات التي شكلت إطارا ملزما يحكم سلوك الدول ويمنع منطق التوسع وفرض الوقائع بالقوة، وبذلك فإن أي خطاب يشرعن سيطرة شاملة أو يلمح إليها يضرب هذا الإطار في جوهره، ويقوض أحد الأعمدة الأساسية للنظام الدولي الذي تأسس على ميثاق الأمم المتحدة ومبدأي السيادة والمساواة بين الدول.
الأمر الأكثر خطورة الذي تنطوي عليه التصريحات هو أن الإيحاء بقبول هيمنة إقليمية واسعة لدولة الاحتلال الإسرائيلي لا يمس فقط بحقوق الشعب الفلسطيني، بل يطال سيادة دول المنطقة كافة، لأن منطق السيطرة الشاملة يعيد إنتاج تصور استعلائي للعلاقات الدولية، يقوم على فرضية التفوق القائم على القوة القهرية بدل الاحترام المتبادل. لكن السفير المندفع تناسى أن السيادة في المفهوم القانوني ليست امتيازا تمنحه قوة عظمى أو تحجبه، بل حق أصيل مكفول لكل دولة، ومن هنا فإن دلالة هذه التصريحات تتجاوز بعدها الفلسطيني لتلامس بنية الاستقرار الإقليمي برمتها.
خطورة الموقف تتضاعف في ظل التباين مع الموقف المعلن للرئيس الأميركي ترامب الذي عبّر عن رفضه لضم الضفة الغربية وأكد دعمه لتسوية تفاوضية، هذا التناقض بين رأس السلطة التنفيذية وممثلها الدبلوماسي يربك المشهد ويضعف صدقية أي دور أميركي في الوساطة. حيث أن السياسة الخارجية حين تفقد اتساقها تتحول إلى رسائل متضاربة، وتمنح الأطراف الأكثر تشددا فرصة لتكريس سياسات الأمر الواقع، مستندة إلى قراءة انتقائية لما يصدر عن واشنطن.
أما على مستوى الاستقرار في الشرق الأوسط، فإن مثل هذه التصريحات تغذي مناخ الاحتقان وتمنح مادة إضافية لخطابات التطرف، خاصة وأن المنطقة تقف على خطوط تماس متعددة، من غزة إلى الضفة إلى حدود دول الجوار، وأي إشارة إلى شرعنة التوسع أو إلغاء فكرة الدولة الفلسطينية المستقلة تعني عمليا تقويض أساس حل الدولتين، وهو الإطار الذي تبنته الشرعية الدولية باعتباره السبيل الواقعي لتحقيق سلام عادل وشامل، والذي لا يمكن أن يقوم على إلغاء الحقوق أو تجاوز القانون، بل على الاعتراف المتبادل والالتزام الصارم بالمرجعيات الدولية.
وفي ذات السياق فإن الاستقرار في غزة، وتنفيذ القرارات الدولية ذات الصلة بما فيها القرار 2803، يتطلبان خطابا مسؤولا يهيئ الأرضية لمسار سياسي جاد، يعالج جذور الصراع بدل إدارة أزماته المتكررة، وعلى الرغم من ان التصريحات التصعيدية، مهما علا سقفها، لا تملك قيمة قانونية، إلا أنها تعد محاولة غير مسؤولة لإشعال التوتر وخلخلة الثقة في النظام الدولي، في وقت تحتاج فيه المنطقة من الجميع احترام القرارات الدولية وتنفيذها باعتبارها المدخل الطبيعي لتهدئة الساحات وإعادة ضبط الإيقاع السياسي.
في المحصلة، تكشف هذه التصريحات عن أزمة أكثر عمقا تتعلق بمستقبل النظام الدولي نفسه، فإذا جرى التعامل مع مبادئ السيادة وعدم جواز الاستيلاء على الأرض بالقوة بوصفها قابلة للتأويل وفق موازين القوة، فإن المنطقة ستدخل مرحلة أكثر اضطرابا، وسيتآكل ما تبقى من ثقة في الشرعية الدولية، وعليه فالمطلوب اليوم من كل القوى الإقليمية والدولية الفاعلة موقف واضح يعيد الاعتبار للقانون الدولي، ويؤكد أن الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية وقطاع غزة أرض محتلة يجب إنهاء احتلالها، وأن تجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة على كامل الأرض المحتلة عام 1967 وفق حل الدولتين هو الطريق الوحيد نحو استقرار دائم، كما أن حماية الشرق الأوسط من دوامة الفوضى تبدأ بكلمة مسؤولة، وتترسخ بإرادة سياسية تحترم السيادة والعدالة وتضع حدا للاحتلال، لا بإشارات توسعية تفتح مجددا أبواب الصراع التي قد تقود المنطقة إلى المجهول.
