صفاء الحطاب
كتب المهندس عادل بصبوص سيرته الذاتية متداخلة الأمكنة وعنونها بكلمات قليلة تحدد اتجاه رحلته، ثم أضاف كلمة واحدة ليترك لنفسه فسحة التقاط الأنفاس والتشبث بالأمل، في هذا الكتاب الصادر عن دار «الآن ناشرون وموزعون» في 415 صفحة من القطع المتوسط نسج الكاتب عادل بصبوص سيرته الذاتية وقصته بلغة سليمة ذات دلالات دقيقة وبخيوط متداخلة الأزمنة وأصوات متعددة من داخل السرد ومن خارجه وكأنه كان يسرد قصته بجمع تفاصيلها من الذاكرة ومما كان يرويه من شاركهم رحلتهم الطويلة التي لم تنتهي بعد وفق عنوان السيرة «وبالعكس» ومن تقييمه وآرائه الذاتية لما جرى وكان.
تبدأ قصة الطفل الذي وجد نفسه كبقية الأطفال في الحروب والأحداث الكبرى على هامش قدرة فهم ما يجري وفي ذات الوقت في مركز قلق الأهل وخوفهم لدرجة الهلع، في رحلة النزوح من فلسطين عام 1967 بسبب الاحتلال الصهيوني وما صاحب ذلك من تفاصيل مؤلمة على مستوى الإنسان وما نتج عنه من تغيير كبير على مستوى المكان بالنسبة للمنطقة بكل مكوناتها،
تنطلق السيرة من منظور فردي للطفل عادل وكيف كان يرصد ما يدور حوله ويبقى هو مركز السيرة التي تغوص في أعماق كل ما يحيط بها ونسمع صوته طفلا وفتى ومن ثم كهلا في سرد مترابط وفي خط زمني متصاعد يتخلله تشويق في نهاية كل فصل يفتح باب التساؤلات في ذهن القارئ لمعرفة المزيد والبحث عن بعض الإجابات في الفصول القادمة.
تكمن تفاصيل مهمة عن كل مكان سماه الكاتب في العنوان وكأنها سيرة توثق للإنسان والمكان والفضاء الذي عاش فيه وتحديات كل مرحلة بالنسبة للفرد والجماعة، وتوصيف دقيق للعادات والتقاليد والطقوس المرتبطة بذاكرة الجيل الجمعية المتنوعة، في تفاصيل إنسانية عميقة تلامس وجدان المتلقي وتستدعي ما يكمن في داخله من تفاصيل مشابهة لـيتماهى مع النص فكرا وشعورا.
طرحت السيرة وصفا مؤثرا للحالة النفسية للجيل الأول تحت تأثير الصدمة التي تسبب بها الاحتلال والظلم الذي كان أكبر من قدرة أصحاب الأرض البسطاء على التعامل معه لغموض الكثير من المعلومات وضعف الإمكانات المتاحة والتحديات الكثيرة المصاحبة للاحتلال البغيض.
فكانوا في حالة تأهب دائمة لأداء مهمة لا نهاية لها محورها الاعتناء بالأبناء والحرص على تعليمهم لعل الحل يكون بأيديهم مما أفقد ذلك الجيل الأول القدرة على ممارسة الحياة والاستمتاع بتفاصيلها بشكل طبيعي؛
وقد تلمسنا ذلك لحظة انعتاق الأب في لحظة تحرر نادرة لروحه المتعبة عندما بنى بيتا صغيرا برفقة آخرين وكان حريصا في يوم «صب السقف» على إحضار قطع أقمشة مختلفة الألوان رفعها على أطراف البناء أعلاما ترفرف ابتهاجا واحتفالا بالمناسبة كمن حقق نصرا على قلة حيلته.
كان الكاتب من الجيل الثاني الذي تلمس طريقه وبذل جهدا كبيرا في التغلب على المصاعب التي واجهته وواظب على الدراسة بجد والعمل في أوقات العطل مع صغر سنه، ليتمكن من الحصول على الشهادات الأكاديمية التي تمثل أدوات التمكين والخطوة الأهم نحو التغيير
وهذا ما تحقق فعلا لمعظم الجيل الثاني فقد امتلك من المعارف والقدرات ووضوح الرؤية والاستقرار النسبي ما جعله يتبادل أدوار المسؤولية مع الآباء الذين كانوا يتمسكون بدورهم الرئيسي الجامع للأسرة دون الالتفات لكل فرد على حدة
ودون التفات للتغيرات التي بدأت مقدماتها بالظهور مثل صراع صاحب السيرة الداخلي وتردده عند طلب أهله يد فتاة لم يتحدث إليها من قبل عروسا له ثم موافقته على مضض وهو المهندس خريج الجامعات.
وكأن السيرة تطرح قضية مؤلمة عانى منها معظم أبناء الشعب الفلسطيني المهجر كأي شعب تعرض للاحتلال والنزوح عن أرضه «اختلال التطور الطبيعي المجتمعي» والفصل بين المراحل المختلفة فصلا يكاد يكون تاما بسبب الحروب والأزمات العربية والدولية المتلاحقة والمرتبطة بالقضية المركزية «احتلال فلسطين» وأثر كل ذلك على الفرد من مختلف المراحل! كانت الرحلة المحملة بالذاكرة الجمعية من دورا إلى سلوان ثم وادي السير هي متن هذه «السيرة» وتبقى كلمة واحدة «وبالعكس» هي متن اليقين بأن الحق لا بد أن يعود لأصحابه.
