عروبة الإخباري –
في اللحظات التي يعاد فيها رسم مستقبل الشعوب في غرف مغلقة، يصبح الغياب أبلغ من الحضور، ويغدو السؤال عن التمثيل أكثر إلحاحاً من السؤال عن البنود والتفاهمات. هكذا يبدو المشهد اليوم مع انعقاد ما يسمى «مجلس السلام» بشأن غزة، حيث تتخذ قرارات كبرى، وتطرح خرائط جديدة، وتصاغ ترتيبات أمنية وإدارية، فيما يدفع الفلسطيني إلى هامش الصورة، كأن القضية شأن إداري يمكن تدبيره دون أصحاب الأرض والحق.
ليس الأمر تفصيلاً بروتوكولياً، ولا خلافاً شكلياً على مقعد حول طاولة. المسألة تمس جوهر الصراع ومعناه: هل نحن أمام مسعى لإنهاء الاحتلال، أم أمام محاولة لإعادة هندسة الواقع الفلسطيني بما يتلاءم مع توازنات القوة الدولية والإسرائيلية؟
حين يختزل مستقبل غزة في معادلة “إعمار مقابل نزع سلاح”، دون أي التزام واضح بإنهاء الاحتلال أو وقف سياسات الضم والاستيطان في الضفة الغربية، فإننا لا نكون أمام مشروع سلام، بل أمام مشروع إدارة أزمة، يراد له أن يعالج النتائج ويتجاهل السبب.
غزة لم تدمر بسبب فائض سيادة، بل بسبب غيابها. لم تحاصر لأنها تملك دولة، بل لأنها تعيش تحت احتلال وحصار ممتد. وحين يطرح نزع السلاح كشرط مسبق للإعمار، دون ربط ذلك بإنهاء العدوان ورفع الحصار وضمان وحدة الأرض الفلسطينية، يتحول الإعمار من حق إنساني إلى أداة ضغط سياسي، وتعاد صياغة الصراع وكأنه نزاع أمني داخلي لا قضية تحرر وطني.
وفي الوقت الذي تناقش فيه ترتيبات أمنية في غزة، تتسارع في الضفة الغربية خطوات مصادرة الأراضي والتوسع الاستيطاني، واجراءات لضم فعلي وتغيير ديمغرافي قسري. هنا تتكشف الصورة كاملة.. ليس ثمة مسار لغزة وآخر للضفة، بل رؤية واحدة تدار على مستويين؛ تفكيك في الجنوب، وضم زاحف في الشمال. إعادة تشكيل الجغرافيا بما يكرّس الانفصال، ويحول الكيان الفلسطيني المنشود إلى جيوب معزولة تدار أمنياً وخدماتياً، فيما تترك السيادة معلّقة خارج الحدود.
الأخطر من ذلك هو المساس بالمرجعية الوطنية الجامعة. فإن تجاوز منظمة التحرير الفلسطينية، بصفتها الممثل الشرعي والوحيد لشعبنا، ليس مجرد تجاهل سياسي، بل هو مساس بأساس الشرعية الذي بني عليه الاعتراف الدولي بالحقوق الفلسطينية. فلقد دفعت الحركة الوطنية الفلسطينية أثماناً باهظة حتى انتزعت اعتراف العالم بحق شعبها في تقرير المصير، وحتى بات اسم فلسطين حاضراً في الأمم المتحدة، وحتى اعترفت بها غالبية دول العالم دولةً تحت الاحتلال. فكيف يعقل أن يبحث مستقبل غزة دون هذه المرجعية، وكأن القضية يمكن فصلها عن سياقها الوطني الشامل؟.
إن تحويل التمثيل الفلسطيني إلى وظيفة خدماتية، يطلب منها الحديث عن المساعدات والكرفانات والمستقبل الأفضل، بينما تترك القضايا السياسية لـ«المجلس التنفيذي» أو لفاعلين دوليين، هو اختزال خطير لدور القيادة الوطنية. ففلسطين ليست مشروع إغاثة، وغزة ليست شركة تطوير عقاري تحتاج إلى مجلس إدارة دولي. نحن شعب يناضل من أجل الحرية والاستقلال، لا مجتمع يعاد تنظيمه وفق معايير أمنية مفروضة.
وإذا كانت بعض الطروحات تتحدث عن إعادة صياغة دستورية أو ترتيبات سياسية جديدة، فإن الإصلاح الحقيقي للنظام السياسي الفلسطيني لا يمكن أن يفرض من الخارج، ولا أن يكون مشروطاً بإملاءات مالية أو أمنية. نعم، نحن بحاجة إلى مراجعة شاملة، إلى إنهاء الانقسام، إلى إعادة بناء وحدتنا الوطنية على أسس ديمقراطية وتشاركية. لكن هذه المراجعة يجب أن تنبع من إرادة فلسطينية مستقلة، وفي إطار المرجعية التي تمثلها منظمة التحرير الفلسطينية، لا عبر هندسة خارجية تعيد تعريف من يحق له أن يكون جزءاً من المشهد ومن يستبعد.
إن التحدي الحقيقي اليوم لا يكمن فقط في مسألة السلاح، بل في سؤال القرار. من يملك حق التوقيع باسم الشعب الفلسطيني؟ من يحدد شكل الدولة وحدودها ووظائفها؟ ومن يقرر إن كانت غزة جزءاً من مشروع وطني موحد، أم كياناً منفصلاً يُدار بترتيبات خاصة؟ هذه الأسئلة لا يمكن القفز فوقها باسم الواقعية السياسية أو ضغط الموازين الدولية، وهي اسئلة يتوجب على حركة حماس الاجابة عليها وعدم الاكتفاء بالبحث عن اجابة لسؤالها الاهم عن موقع الحركة في المخطط الجديد.
إن مواجهة هذا المخطط ان كنا جادين في المواجهة ولا زال لدينا ايمان بان الفلسطيني قادر على افشال هذه المخططات والتصدي لها، تبدأ أولاً بإعادة تثبيت المرجعية الوطنية المتمثل بمنظمة التحرير الفلسطينية، وبالدعوة إلى موقف وطني موحد يعلن بوضوح أن أي إعمار في غزة يجب أن يتم عبر السلطة الوطنية الفلسطينية وفي إطار وحدة الأرض والشعب، وأن أي ترتيبات أمنية أو إدارية يجب أن تكون جزءاً من رؤية تنتهي بإنهاء الاحتلال لا بتكريسه.
كما لا بد من تحرك سياسي عاجل لتوحيد الصف، وتشكيل حكومة وحدة وطنية تتولى إعادة دمج المؤسسات، والتحضير لانتخابات عامة حيثما توفرت الظروف، حتى يستعيد القرار شرعيته الشعبية الكاملة.
وفي موازاة ذلك، يجب أن يتصاعد الاشتباك القانوني والدبلوماسي مع سياسات الضم والاستيطان، مستندين إلى التحذيرات الأممية التي تؤكد عدم شرعية ضم الأراضي المحتلة وخطورة التغيير الديمغرافي القسري. كما ينبغي تعزيز المقاومة الشعبية السلمية في الضفة الغربية، وتوفير غطاء سياسي وإعلامي لها، حتى تبقى الأرض حاضرة في معادلة الصراع، لا مجرد بند تفاوضي في مجلس دولي.
أما في غزة، فالمطلوب تحصين الجبهة الداخلية ومنع الانزلاق إلى صراعات جانبية تحت ضغط الشروط المفروضة، والتأكيد أن أي تحول في المشهد الأمني أو السياسي يجب أن يكون نتاج توافق وطني، لا نتيجة تهديد أو ابتزاز.
القضية اليوم عند مفترق طرق حقيقي. إما أن نستعيد زمام المبادرة عبر وحدة القرار والمرجعية، وإما أن نجد أنفسنا أمام مرحلة إدارة دولية طويلة الأمد، تدار فيها الجغرافيا الفلسطينية بالأمن والخدمات، بينما يترك القرار السيادي خارجها.
التاريخ لن يرحم من يفرّط بالتمثيل، ولن يغفر لمن يقبل أن يختزل شعب بأكمله في ملف إنساني.
وختاما.. فان فلسطين ليست فراغاً يملأ بقرارات الآخرين، ولا أرضاً ترسم حدودها في غياب أصحابها. هي قضية شعب حي، وحق ثابت، ومشروع وطني لا يختزل في مجلس، ولا يصادر بتوقيع. ومن يملك القرار اليوم، إنما يملك مستقبل الأجيال القادمة. لذلك، فإن المعركة الحقيقية ليست فقط على خرائط الخطوط الصفراء، بل على حقنا في أن نكون نحن من يرسم خريطتنا.
