عروبة الإخباري –
في نصّها الباذخ لغةً ورؤيةً، ترتقي الدكتورة فلك مصطفى الرافعي، رئيسة منتدى العلّامة د. مصطفى الرافعي الثقافي، بـ“مسحراتي قانوني” من حدود المقالة إلى مرتبة النصّ الكاشف؛ النصّ الذي يخلخل السكون ويوقظ ما تراكم عليه غبار الخذلان، هي لم تستحضر شخصية شعبية عابرة، بل استدعت روحًا حارسة، كأنها تُنزل المسحراتي من فضاء الأسطورة ليقف على تخوم العدالة، حاملاً طبلةً تتحول إلى جرس قيامةٍ وطنية.
هذا النص ليس وصفًا لطقسٍ رمضاني… بل ترنيمة ضمير.
ليس حنينًا إلى الأزقة القديمة… بل إعلان استنفار أخلاقي.
جعلت منه كائنًا رمزيًا يتجاوز الجغرافيا والزمن؛ طبلته ليست جوفاء، بل مجوّفة لتتسع لصدى الحقيقة. وعصاه ليست خشبًا، بل إرادة تضرب على جدار الغفلة. إنه لا يوقظ النائمين للسحور فحسب، بل يوقظ الضمائر من سباتها، ويحمّله رسالة الأنبياء في صيغة مدنية، ورسالة القضاة في ثوب شعبي، ورسالة الثائر في إيقاعٍ روحاني.
ببلاغة آسرة، تستدعي الكاتبة صورة المسحراتي الذي “يغزو” ليالي الصيام غزوًا سلميًا بطبلته البسيطة، لتؤكد أن أعظم الأدوار لا تحتاج إلى ضجيج التكنولوجيا ولا إلى صخب الطاقة المستوردة، بل إلى صدق الارتباط بهلالٍ يتنامى نورُه حتى يكتمل بدرًا. غير أن هذا الغزو ليس طقسًا عابرًا، بل مشروع يقظةٍ في زمن التراخي، وصوتَ عدالةٍ في وجه سباتٍ طال؛ بل نفخة روح في جسد وطنٍ أنهكه الصمت.
وفي انتقالة فكرية جريئة، تضع الدكتورة فلك، المسحراتي في قلب الأزمة الوطنية، لا كشاهدٍ على الانهيار، بل كفاعلٍ إنقاذيّ مرشّح لحمل لقب “الوزير الإنقاذي”. هنا تبلغ الاستعارة ذروتها؛ إذ يصبح قرع الطبل أداة مساءلة، ويغدو السحور توبةً، ويتحوّل الإيقاظ إلى محاكمةٍ للفساد. إنها لا تعيد تعريف السلطة كمنصب، بل كرسالة؛ لا ككرسيّ، بل كضميرٍ يقظ يُقلق نوم السماسرة، ويهزّ وسائد المال الحرام، ويقرع أبواب القلوب قبل أبواب البيوت.
الأسطورة هنا ليست هروبًا من الواقع، بل اقتحامًا له.
والروحانية ليست انعزالًا، بل انحيازًا عميقًا لوجع الناس.
وتمزج الكاتبة بين حنينٍ شفيف إلى تقاليد الحكواتي والمسحراتي، وبين قراءة واقعية لأوجاع بلدٍ مأزوم الهوية الاقتصادية، يتأرجح على شفير الإفلاس. ومع ذلك، لا تستسلم لليل، بل تزرع في عتمته وعدًا بالفجر، وتستحضر في المسحراتي طاقة إنقاذية ترى فيه كلَّ مواطنٍ خفيرًا، وكلَّ صوتٍ يجرؤ على الإشارة إلى أوكار الفساد.
في نصّها تتعانق الرمزية مع الجرأة، ويتحوّل الطبل إلى منبر، وتغدو الأزقة ساحات محاكمة ضميرية. إنها كتابة تشبه الدعاء حين يخرج من قلبٍ موجوع، وتشبه القسم حين يُتلى في حضرة التاريخ. نصٌّ يقرع الفكر قبل السمع، ويستنهض الإرادة قبل العاطفة، ويؤكد أن العدالة تبدأ بنداء، وأن الفساد يرتجف أمام قرعة حقٍّ صادق، وأن الضمير — مهما طال سباته — يستيقظ حين يُنادى باسمه.
“مسحراتي قانوني” ليس مقالًا يُقرأ… بل تجربة تُعاش. ليس فكرة عابرة… بل موقف. ليس نصًا عاديًا… بل ومضة نور في عتمة زمنٍ مأزوم.
وقد يكتب التاريخ يومًا أن المسحراتي لم يكن مجرد عابرٍ في ليالي رمضان، بل كان الإطفائي حين اشتعلت الحرائق، والمنقذ حين ضاقت السبل؛ وأن الحكاية التي سيرويها الحكواتي غدًا ستبدأ من هنا… من قرعة طبلةٍ أيقظت وطنًا، وأعادت للروح صوتها، وللعدالة هيبتها، وللفجر معناه.
إنه نصّ سيبقى، لأن ما كُتب بروحٍ صادقة لا يشيخ، وما قُرع بصدقٍ على طبلة الضمير… لا يُنسى.
