ملاحظات ونتائج إيجابية عديدة خرج بها وفدٌ أردني (من باحثين وخبراء وسياسيين من معهد السياسة والمجتمع ومركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الأردنية، بالتنسيق مع مركز عمران للدراسات الاستراتيجية)، شملت لقاءات مع سياسيين سوريين في ورشة مغلقة (ضمن ما يُطلق عليه المسار الثاني للدبلوماسية)، واجتماعات مع مسؤولين في الخارجية والرئاسة السوريتين، وزيارة إلى منطقة داريا في ريف دمشق (التي عمل النظام السابق على تدميرها بصورة كبيرة، وقتل مئات المدنيين والأبرياء فيها بدمٍ بارد)، إضافةً إلى مقابلات مع شخصيات قيادية من السوريين الدروز.
بالضرورة، ثمّة صعوبات وتحديات كبيرة ما تزال في طريق الانتقال الحالي في سورية، وبالرغم من التعافي الشاق على الصعيد الإداري والقانوني والسياسي والاقتصادي والبنية التحتية، والأهم من ذلك التوافق المجتمعي والوحدة الجغرافية، فإنّ هذا المسار يمرّ عبر حقلٍ من الألغام الخطيرة: من إرث النظام السلطوي السابق من جهة، والأدوار الإسرائيلية الخطيرة، بخاصة في منطقة الجنوب السوري، من جهة أخرى؛ إضافةً إلى تحديات إعادة بناء الإدارة والبنية التحتية، وتحسين الخدمات، والتأكيد على وحدة البلاد، والتوافق على النظام السياسي الجديد.
في المقابل، هنالك مسار إيجابي وروح جديدة وطاقة كبيرة تحرّك السوريين، وتخلق مساحة واسعة من الحراك السياسي والمجتمعي، والشعور بالمسؤولية تجاه بناء الدولة والتنمية والعودة إلى الحياة الطبيعية. ويعتبر كثير من السوريين أنّ ما حدث في الشمال الشرقي مؤخراً، من عودة الدولة إلى بسط سيادتها على تلك المنطقة وما تحتويه من موارد، وقطع الطريق على مؤامرة كانت تُدار بين أطراف في «قسد» وجماعة حكمت الهجري في السويداء وفلولٍ للنظام السابق، بدعمٍ خلفي إسرائيلي يُعدّ كلّ ذلك بمثابة نقطة تحوّل مهمة وكبيرة في المسار السوري، وفي كسب المعركة السياسية داخلياً وخارجياً في مواجهة مخطط تفكيك سورية.
يحمل الجيل الشاب الجديد وكثيرٌ منهم كان نازحاً أو مهجّراً أو مهاجراً أو معتقلاً الكثير من الآمال والطموحات. وتلتقي بالعديد من المسؤولين هناك في سنّ الشباب، ممن يُظهرون حكمةً واهتماماً كبيرين ببناء سورية جديدة في مختلف النواحي. وإذا كان هنالك إجماع واضح بين تيارات وألوان سياسية مختلفة، فهو أنّنا لن نقبل بالعودة إلى ما قبل كانون الأول 2024، ولن نخضع لنظامٍ دكتاتوري آخر؛ وإن كان النظام السابق فريداً في بنيته الأمنية-الطائفية الداخلية-الإقليمية، وفي تركيبته السياسية-الاقتصادية المبنية على الفساد والسرقة وعقلية العصابات والمافيات.
الأولويات بالنسبة إلى أغلب السوريين واضحة: وحدة الأراضي السورية بما يعنيه ذلك من ضرورة تطوير تفاهمات مجتمعية حول مفهوم اللامركزية، والتعددية السياسية والثقافية والدينية والسلم المجتمعي، بما يتطلبه ذلك من السير بصورة ذكية في ملف العدالة الانتقالية؛ وتحسين الخدمات والبنية التحتية، والعودة إلى الدورة الاقتصادية، وتحسين السيولة المالية، وجذب الاستثمارات؛ ثم التوافق على نظام سياسي جديد يقوم على مبادئ سيادة القانون، والكرامة، والحريات العامة، واحترام حقوق الأقليات وحرياتهم.
الملاحظ ليس فقط أنّ سورية تسير بصورة صحيحة على مسار التعافي الداخلي، وتحسين العلاقات الخارجية بصورة كبيرة، بل كذلك سرعة التعافي والإحلال، وتخطي العديد من المشكلات والأزمات الخطيرة، والفخاخ التي نُصبت في الطريق. ولا تجد صعوبة لدى أيّ مسؤول أو سياسي تقابله في الإقرار بالأخطاء الفادحة التي ارتُكبت في السويداء والساحل؛ لكن، في المقابل، يُضرَب المثل في الشمال الشرقي على القدرة السريعة للنظام الجديد على التعلّم من أخطائه، والتطوّر، والتكيّف، وتفكيك المشكلات. وإحدى الملاحظات التي تكررت في أغلب الاجتماعات تمثلت في الإقرار بذكاء الرئيس السوري، أحمد الشرع، بخاصة فيما يتعلّق بتفكيك الأزمات والمشكلات، وإيجاد الحلول في التعامل معها.
على صعيد العلاقات السورية-الأردنية، فإنّها لم تشهد مثل هذا التقارب منذ الاستقلال (أي قبل ما يقارب سبعين عاماً). وهنالك أريحية كبيرة في التعامل بين القيادتين والمسؤولين، وزيارات متبادلة على مختلف المستويات الوزارية، وكذلك على مستوى القطاع الخاص ورجال الأعمال. ويُقدّر السوريون كثيراً العلاقات الأخوية، والموقف الأردني المبادر والمساند لهم خلال هذه المرحلة الخطيرة والدقيقة من تاريخ سورية.
وعلى الجهة المقابلة للمصالح المشتركة، هنالك تحديات تواجه الأمن القومي لكلا الدولتين، بخاصة فيما يتعلق بالمناطق الجنوبية: في السويداء ودرعا والبادية الجنوبية والقنيطرة، وتحديداً مع السياسات الإسرائيلية الخطيرة هناك وللحديث بقية.
