عروبة الإخباري –
قنا تقرير د. ميساء عبد الخالق –
مع اقتراب شهر رمضان المبارك، يعود القلق المعيشي ليخيم على الأسر اللبنانية، التي تستقبل هذا الموسم الروحي في ظل واقع اقتصادي خانق لم تخرج منه منذ سنوات.
فبين تدهور العملة الوطنية، وغياب النمو، واستمرار الأزمة المصرفية، تتآكل القدرة الشرائية للبنانيين يوما بعد يوم، لتتحول الاستعدادات الرمضانية من
أجواء اجتماعية جامعة إلى عبء اقتصادي إضافي. ومع الارتفاع الموسمي المعتاد في أسعار السلع الغذائية، ، تتعمق معاناة العائلات التي لم تلمس أي تحسن في مستويات الدخل أو الأجور، ما يجعل شهر الصوم اختبارا جديدا لصمودها وقدرتها على التكيف مع واقع معيشي يزداد قسوة.
وتظهر بيانات رسمية وتقارير ميدانية استمرار التضخم الغذائي، مع تسجيل ارتفاعات ملحوظة في أسعار اللحوم الحمراء والخضار والفواكه قبيل حلول رمضان، وسط توقعات بزيادات إضافية تتراوح عادة بين 10 و15 في المئة خلال الشهر المبارك، نتيجة زيادة الطلب على بعض المواد.
ورغم قسوة الظروف، تحاول العائلات اللبنانية، كما في الأعوام الماضية منذ الأزمة الاقتصادية والمالية التي تشهدها البلاد أواخر العام 2019، التكيف مع الواقع القائم عبر الاستفادة من تحويلات المغتربين التي باتت تشكل ركيزة أساسية للدخل في معظم البيوت، إلى جانب الدور المتنامي للمؤسسات الاجتماعية والخيرية.

وفي بلدٍ تحتلّ فيه الطقوس الدينية والعادات الرمضانية مكانة خاصة في الوجدان الاجتماعي، تحاول الأسر اللبنانية التمسّك بموائدها الرمضانية ولو بالحدّ الأدنى الممكن، في ظل واقع اقتصادي ضاغط يتّسم بتضخّم تجاوز 15 في المئة وارتفاعٍ مطّرد في أسعار السلع الأساسية، ما يجعل الحفاظ على هذه الطقوس تحدّياً يومياً يتجاوز البعد المعيشي ليطال الاستقرار الاجتماعي ذاته.
وفي هذا السياق، قال الدكتور أنيس أبو ذياب، الخبير الاقتصادي وعضو المجلس الاقتصادي والاجتماعي في لبنان، في تصريح لوكالة الأنباء القطرية /قنا/، إن الأسر والعائلات اللبنانية تواجه صعوبة كبيرة في التكيف مع الارتفاع الحاد في الأسعار خلال شهر رمضان، ولا سيما مع الزيادات التي تسبق حلول الشهر المبارك في أسعار اللحوم الحمراء والخضار والفواكه.
ولفت إلى أن أسعار السلع الغذائية تشهد عادة ارتفاعات إضافية.. مشيرا إلى أن حلول شهر رمضان هذا العام يأتي في ظل عدم إقرار أي تحسينات على الرواتب والأجور من قبل الحكومة اللبنانية، رغم إقرار موازنة العام 2026، كما كان منتظرا، وذلك بالتزامن مع استمرار أزمة الودائع ومشاكل القطاع المصرفي، ما يزيد من الأعباء المعيشية على المواطنين.
وأضاف أن الأسر اللبنانية، وكعادتها خلال الأعوام الماضية، ولا سيما منذ عام 2019، ستحاول التكيف مع هذه الظروف من خلال الاستفادة من تحويلات المغتربين، في ظل وجود مغترب في معظم البيوت اللبنانية، إلى جانب الدور الذي تؤديه المؤسسات الاجتماعية والخيرية.
وأكد أن الطقوس الدينية والعادات الرمضانية تحتل أهمية كبيرة في حياة الأسر اللبنانية، ما يدفعها إلى محاولة الحفاظ على الموائد الرمضانية بالحد الممكن، رغم الصعوبات المتزايدة في التكيف مع ارتفاع أسعار السلع الغذائية ومعدلات تضخم تجاوزت 15 في المئة.. منوها بأهمية التكاتف العائلي والاجتماعي كأحد أبرز أشكال الصمود، معتبرا أن التضامن بين اللبنانيين يبقى بابا أساسيا من أبواب التكافل الاجتماعي، كما كان الحال في مختلف المحطات والأزمات، ليشكل عنصر دعم أساسي في مواجهة الغلاء والحفاظ على روح الشهر الفضيل.
ويؤكد مراقبون أن ارتفاع كلفة المعيشة في لبنان لم يعد مجرد توصيف لأزمة اقتصادية، بل بات أحد أكثر التحديات إلحاحا التي تواجه البلاد. فمقارنة بمتوسط الأجور، يصنف لبنان اليوم ضمن الدول الأكثر كلفة في منطقة الشرق الأوسط، بل وعلى مستوى العالم أيضا. وقد حلت بيروت في المرتبة السابعة على صعيد الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في مؤشر كلفة المعيشة لعام 2025، مسجلة 42.4 نقطة، وفي المرتبة 168 عالميا، وذلك بحسب بيانات قاعدة البيانات العالمية «نومبيو».
وأفاد تقرير صدر عن البنك الدولي مؤخرا بعنوان “المرصد الاقتصادي للبنان – ربيع 2025 “، بأن معدل التضخم المرتفع في لبنان يعكس عبئا متزايدا على إنفاق الأسر وارتفاع كلفة المعيشة، إذ من المتوقع أن ينخفض معدل التضخم إلى حوالي 15.2% في عام 2025 مقارنة بالسنوات السابقة، لكن هذا الرقم لا يزال أعلى من المعدلات العالمية ويعني أن الأسعار ما زالت مرتفعة بالنسبة للأفراد.
وحسب إدارة الإحصاء المركزي في لبنان، بلغ التضخم السنوي حوالي 14.8% في سنة 2025، وهي نسبة أقل بكثير من سنوات الأزمة السابقة (كانت 45.24% في 2024، و221.34% في 2023)، وتشير إلى تباطؤ التضخم لكنه ما زال مرتفعا بالنسبة للناس لأنه لم يترافق مع زيادة وتحسين الرواتب والأجور.
وفي هذا السياق، أكدت السيدة محاسن مرسل، الباحثة في الشأنين المالي والاقتصادي، في تصريح مماثل لـ/قنا/، أن الأسر اللبنانية تواجه صعوبات متزايدة خلال شهر رمضان، رغم تراجع معدلات التضخم في لبنان منذ عام 2024 من نحو 45 في المئة إلى قرابة 15 في المئة.
ولفتت مرسل إلى استمرار تآكل القدرة الشرائية لدى المواطن اللبناني، والذي يتفاقم خلال شهر رمضان نتيجة الإقبال الكثيف على شراء المواد الغذائية، ما يستدعي، بحسب قولها، تشديد الرقابة من قبل وزارة الاقتصاد والجهات المعنية، وتطبيق القوانين المتعلقة بحماية المستهلك، إلى جانب تشجيع المنافسة المشروعة بين التجار.
كما أشارت إلى ارتفاع تكاليف السفر خلال شهر رمضان في لبنان من عام إلى آخر، مشددة على ضرورة التشدد في اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بحق المخالفين، ولا سيما فيما يتعلق بالزيادات غير المبررة في الأسعار التي لا تتناسب مع هامش الربح المسموح به.
وأكدت أن الأسر اللبنانية تعاني منذ نحو ست سنوات، منذ اندلاع الأزمة الاقتصادية والمالية في عام 2019، من تراجع حاد في قدرتها الشرائية، في ظل عدم تصحيح الرواتب والأجور، ولا سيما لدى الطبقة الوسطى، بما يعيدها إلى مستويات ما قبل الأزمة. ويعد الانهيار المالي الذي بدأ في أكتوبر 2019، عاملا أساسيا وراء هذه الضغوط، إذ فقدت الليرة اللبنانية أكثر من 98% من قيمتها في ظل غياب سياسات دعم اقتصادي واضحة.
كما تجاوزت كلفة المعيشة اليومية قدرة شرائح واسعة من السكان على تأمين متطلبات الحياة الأساسية. كما ساهم تجميد الودائع المصرفية وتآكل القدرة الشرائية في توسيع الفجوات الاجتماعية والاقتصادية، ما أدى إلى تغير أنماط الاستهلاك.
وفي الوقت نفسه، تقلصت الطبقة الوسطى إلى مستويات تاريخية متدنية، وهاجر عشرات الآلاف من الشباب بحثا عن فرص عمل وحياة كريمة، ورغم الزيادات المتعددة على الحد الأدنى للأجور منذ عام 2023، فإن معظمها بقي ذات طابع رمزي، إذ لم تلتزم العديد من المؤسسات الخاصة بتطبيقها. ونتيجة لذلك، بات الحد الأدنى للأجور مرتفعا شكليا بالليرة اللبنانية، لكنه شبه معدوم القيمة عند احتسابه بالدولار أو مقارنة بسلة الاستهلاك الفعلية.
وبحسب برنامج الأغذية العالمي، بلغت كلفة «سلة الغذاء للبقاء» لعائلة من خمسة أفراد نحو 44.2 مليون ليرة لبنانية (492 دولارا) في شهر مايو الماضي، مسجلة زيادة بنسبة 8.2% منذ بداية العام الماضي. ويشير خبراء اقتصاديون إلى أن الحد الأدنى للأجور لا يغطي سوى أقل من 30% من الاحتياجات الأساسية، ما يسلط الضوء على أزمة دخل حادة لا تقل خطورة عن تحدي ارتفاع الأسعار.
وعلى الرغم من استقرار سعر الصرف عند حدود 89,500 ليرة للدولار الواحد وتراجع معدل التضخم السنوي إلى نحو 15%، لا تزال أسعار المواد الغذائية والسلع الاستهلاكية مرتفعة بشكل ملحوظ.
من ناحيتها قالت غادة عون، رئيسة تحرير موقع أخبار الشرق الجديد، لـ/قنا/، يتزامن الارتفاع الحاد في الأسعار مع حلول الشهر الفضيل، ما فاقم الضغوط المعيشية على العائلات اللبنانية.
وأوضحت عون أن هذا الواقع يثقل كاهل الأسر، ولا سيما العائلات المتعففة، التي باتت عاجزة عن تأمين أبسط المواد الغذائية الأساسية، في ظل التراجع الحاد في القدرة الشرائية وغياب أي حلول اقتصادية فعالة.
ولفتت إلى أن العائلة تحتاج إلى ما لا يقل عن 900 دولار أمريكي شهريا كحد أدنى لتغطية متطلبات المعيشة، وهو مستوى دخل لا يتوافر لدى غالبية الأسر. وأضافت أن شهر رمضان يفرض أعباء مالية إضافية، نتيجة ارتفاع كلفة الحاجات الغذائية الخاصة بالشهر الكريم، من مستلزمات إعداد وجبات الإفطار والسحور، إلى متطلبات الضيافة والتكافل الاجتماعي، ما يزيد من حدة الضغوط الاقتصادية ويحول تأمين هذه الاحتياجات إلى تحد يومي لكثير من العائلات.
في المحصلة، يحل شهر رمضان هذا العام على اللبنانيين مثقلا بأعباء اقتصادية غير مسبوقة، تضيق هامش العيش الكريم وتضع العائلات أمام خيارات قاسية بين الحفاظ على تقاليد راسخة وتأمين الحاجات الأساسية. وبين غلاء الأسعار وغياب المعالجات الجدية، تبقى الأسر وحدها في مواجهة واقع معيشي ضاغط، ما يستدعي تحركا عاجلا يخفف من حدة الأزمة ويحمي الأمنين الغذائي والاجتماعي في بلد أنهكته الأزمات المتراكمة.
