رحم الله طيب الذكر، الأستاذ محمود الزواوي وأسكنه فسيح جناته. إلى جانب كون الراحل قامة إعلامية كبيرة، كان ناقدا سينمائيا مختصا بالسينما العالمية وبخاصة الأمريكية، وقد كرس لها أحد أعماله الأدبية، المؤلف بعدة أجزاء تحت عنوان، «روائع السينما: أفضل 100 فيلم أمريكي».
«ميلانيا» الفيلم، سيتناوله الخبراء في السينما والوثائقيات أيضا. شاهدت الفيلم قبل أيام، وسأكتفي بالإشارة إلى أنني سارعت بعده إلى اقتناء نسخة ورقية من كتاب يحمل الاسم نفسه، لكنه صدر قبل ظهور نتائج الانتخابات الرئاسية الأخيرة. ومما حظيت بتعلمه من الأستاذ الزواوي -وقد كان مديرا لمكتب راديو سوا في عمّان، الإذاعة الذي تأسست من نواتها قناة الحرة الأمريكية الناطقة بالعربية- الاتضاع أمام التاريخ، وإفساح المجال له وبعيدا عن النقاد المؤيدين والمعارضين لإصدار حكمه على ما هو أهم من الفيلم والكتاب، على التجربة التاريخية وكل ما يتعلق بخدمة دونالد جيه ترامب كرئيس لولايتين غير متتابعتين، وكذلك جميع ما يتصل بخدمة «السيدة الأولى» في أمريكا، ميلانيا.
وأقتبس من الفيلم كلمتين وردتا في خطاب التنصيب «الثاني»، حيث تعهد ترمب بالعمل على أن يذكره التاريخ بصفته «صانعا للسلام وموحّدا للأمة الأمريكية». «بيسْميكرْ آند يونِفَيَرْ».. وبحسب ما تم تصويره بكاميرات جانبية وهواتف خلوية من «فريق العمل» ليس للعمل السينمائي، بل أولئك الذين يخدمون بمعية الرئيس وعقيلته في البيت الأبيض وربما في الكونغرس أيضا، فإن القرار تم اتخاذه بمبادرة عفوية حقا، وليست مُفْتَعَلَة «سْتيجْدْ»! فأثناء التمرين «رِهيرسال» على إلقاء خطاب التنصيب، اقترحت ميلانيا استبدال كلمة بأخرى من نص الخطاب الأصلي، فكانت أن أضافت كلمة (موحِّد) «يونفير». وقد كان بالإمكان التقاط تلك الإشارة، قبل مشاهدة الفيلم، بالرجوع إلى إشارة ترمب بإصبعه إلى ميلانيا، عند ترديده لذلك الشعار أو الهدف خلال إلقائه خطاب التنصيب في العشرين من يناير 2025.
ستكشف السنوات الثلاث المتبقية من ولاية ترمب الثانية، مدى نجاحه كصانع سلام، سيما وأن قرار «إرجاء الضربة» قيل إنه لعدة اعتبارات، من ضمنها عدم التأثير على حفل افتتاح الفيلم ومبيعاته والتي تجاوزت الأربعة عشر مليون دولار في أمريكا في أقل من أسبوعين.
لا ريب أن حالة الاستقطاب والانقسام حول ترمب عالميا، وليس أمريكيا أو شرق أوسطيا فقط، قد تدفع البعض إلى مشاهدة الفيلم وقراءة الكتاب أو العكس بمعنى «مقاطعته»، لكن المهتمين بما هو أهم وأبقى من الأشخاص، سيكون قطعا معنيا بدراسة الجانب التوثيقي الفني أو الاحترافي للفيلم.
من الواضح أن من اتخاذ القرار بالإنتاج والتمويل والتسويق كان على دراية بأن الاستثمار كله قد يتهاوى في حال عدم نجاح ترمب بالعودة إلى البيت الأبيض، لكن حتى تلك الاحتمالية تم الاستعداد لها. بإمكاني القول إن المتمعن في بعض المفاصل الإنتاجية والإخراجية للفيلم، خاصة الحوار والصور وزوايا التصوير ومفاتيح الصوت خلال تلك اللقطات «المخطوفة أو المسروقة» -بلغة المصورين الميدانيين- بذكاء وبعد نظر ورشاقة، يعلم أن سيناريوهات أخرى كانت في البال، من بينها الخسارة، بما فيها تكرار الدفع بسيناريو «سرقة الانتخابات» الذي ما زال ترمب ومؤيدوه -سيما في «ماغا»- يؤمنون بأنه كان الفائز، وبفارق كبير، في انتخابات 2020.
كلمة أخيرة من واجبي الإشارة إليها، وهي تلك المشاركة النوعية للملكة رانيا في الفيلم، والعرض الخاص في البيت الأبيض الذي دعيت إليه جلالتها يرافقها سمو الأمير هاشم بن عبدالله الثاني يرعاهم الله، قبل إطلاق حفل الافتتاح العام لنخبة من المدعوين أمريكيا وعالميا، بمركز كينيدي في العاصمة واشنطن. كان حضور جلالتها في الفيلم الوثائقي المشاركة العالمية الفريدة من الوسط القيادي العالمي، باستثناء عقيلة الرئيس الفرنسي بريجيت ماكرون والتي كانت مشاركتها عن بعد. وقد عقد لقاء الملكة رانيا مع السيدة الأولى ميلانيا حينها في مقر أسرة الرئيس الأمريكي ترمب في «مارالاغو» قبل العودة إلى البيت الأبيض. وقد كان العمل الإنساني لصالح الأطفال في كل من أمريكا والأردن وفرنسا والعالم هو الغاية النبيلة المشتركة لجلالتها وعقيلتي ترمب وماكرون.
تحدثت أم الحسين عن مبادرة جلالتها قبل عقدين، في مبادرة «أمان» التي صارت «مؤسسة» وطنية قائمة بذاتها اسمها «صندوق الأمان لمستقبل الأيتام»، تُعنى بتأمين المحبة والرعاية والكفالة للأيتام، بعد خروجهم من دور الرعاية -ببلوغ السن القانونية- لمواصلة تعليمهن وتعليمهم العالي أو المهني والنهوض بمتطلبات الحياة والعيش الكريم. قيمة عظيمة سنواصل الحديث حولها بعون الله عبر هذا المنبر الكريم -الدستور الغراء- في أفياء رمضان المبارك الذي يهل علينا بعد أيام.
عظيمة هي الرسائل والروايات والسرديات، وتأخذ حقها عندما يكون التوثيق صوتا وصورة لا نصا فقط، وفي أبكر وقت ممكن. فالسردية الأكثر بلاغة ومصداقية وتأثيرا واستدامة، هي ما يتم تجسيده في السينما والتلفزيون والأعمال الأدبية والفنية بأنواعها.
