عروبة الإخباري –
في الذكرى السنوية الحادية والعشرين لرحيل رجلٍ ارتبط اسمه بمرحلةٍ كاملة من تاريخ لبنان، نقف لا لنستحضر الحزن فقط، بل لنستحضر المعنى. لأن الأوطان لا تحفظ أسماء رجالها بالصدفة، بل تحفظ الذين تركوا أثرًا في وجدانها، وفي أحلام ناسها، وفي صورة الغد التي حاولوا رسمها.
نقف اليوم أمام الذاكرة…وأمام سؤالٍ بسيطٍ كبير: ماذا يبقى من الإنسان بعد غيابه؟ تبقى كلماته حين كانت تدعو إلى الأمل بدل اليأس. تبقى مشاريعه حين كانت تحاول أن تعيد للحياة نبضها. ويبقى الأثر في وجوه أناسٍ تغيّرت حياتهم لأن أحدًا آمن بهم يومًا.
كان زمنًا صعبًا، وكانت البلاد خارجة من سنواتٍ أنهكت الحجر والبشر. في تلك اللحظات، كان اللبنانيون يبحثون عن نافذة ضوء، عن فكرة تقول إن الخراب ليس قدرًا دائمًا، وإن النهوض ممكن. فكانت فكرة الإعمار، وفكرة إعادة بناء ما تهدّم، لا في الشوارع فقط بل في النفوس أيضًا.
آمن بأن العلم طريق خلاص، وأن الشاب الذي يُمنح فرصة قد يصبح غدًا عماد وطن. آمن بأن لبنان يستطيع أن يعود مساحة حياة، لا ساحة صراع. قد يختلف الناس في السياسة، وقد تتباين الآراء حول التجارب، لكن ما لا يختلف عليه كثيرون هو أن هناك مرحلة ارتبطت بمحاولة جدّية لإعادة الأمل إلى بلدٍ متعب.
ثم جاءت اللحظة التي هزّت القلوب. لحظة شعر فيها اللبنانيون أن الغياب أكبر من أن يكون غياب شخص، وأن الخسارة طالت شعورًا عامًا بالأمان وبالمستقبل. يومها لم يكن الألم ألم عائلة أو تيار، بل ألم وطنٍ كامل شعر أن صفحة قُلبت بسرعة موجعة.
لكن الذكرى، إن كانت صادقة، لا تكون للبكاء فقط. الذكرى الحقيقية هي أن نسأل: ماذا نتعلّم؟
نتعلّم أن الأوطان تُبنى بالصبر لا بالانفعال، بالعمل لا بالشعارات، وبالإيمان بالحياة لا بالاستسلام لليأس.
نتعلّم أن البناء أصعب من الهدم، لكنه أبقى.
وأن زرع الأمل في قلوب الناس هو أعظم استثمار يمكن أن يتركه إنسان لوطنه.
في هذه الذكرى، لا نريد أن نقف أسرى الماضي، بل أوفياء لدروسه. أن نتذكّر أن لبنان، رغم كل ما مرّ به، ما زال يستحق المحاولة. يستحق رجال دولة يعملون لأجله، وشبابًا يحلمون به، وناسًا لا يتعبون من الإيمان به.
قد يرحل الأشخاص، لكن فكرة الحياة التي يدافعون عنها لا يجب أن ترحل.
وقد تغيب الوجوه، لكن الأوطان تبقى حين يتمسّك أبناؤها بالأمل.
في الذكرى السنوية، نقول: رحل الجسد، وبقي الأثر. غاب الصوت، وبقيت الفكرة.
ومهما اشتدّت العواصف، يبقى لبنان أكبر من أوجاعه، وأكبر من لحظاته الصعبة، لأنه بلد تعلّم مرارًا كيف ينهض.
هذه ليست فقط ذكرى رجل، بل تذكيرٌ لوطنٍ كامل أن الحياة تُختار كل يوم… وأن الأمل، مهما تأخر، يظل الطريق الوحيد الذي يستحق أن نسلكه.
