كإمرأة حقوقية وناشطة في مجال حقوق الإنسان، ومدافعة عن حقوق النساء والفتيات، لا يمكنني أن ألتزم الصمت أمام واحدة من أخطر الانتهاكات التي ما تزال تُرتكب بحق الطفولة والكرامة الإنسانية: ختان الإناث، أو ما يُعرف بتشويه الأعضاء التناسلية الأنثوية.
تشير تقارير منظمات أممية إلى أن أكثر من 230 مليون فتاة وامرأة حول العالم يعشن اليوم مع الآثار الجسدية والنفسية لهذه الممارسة المؤلمة. والأخطر من ذلك أن نحو 4.5 مليون فتاة مهددات بخطر الختان في عام 2026 وحده، في استمرار مأساوي لدائرة العنف التي تطال أجساد الصغيرات تحت مسميات اجتماعية أو ثقافية أو دينية.
هذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات جامدة؛ إنها حكايات ألمٍ مكتوم، وطفولاتٍ منتهكة، وأحلامٍ تُجهض قبل أن تنضج. ملايين الطفلات حول العالم، كثيرات منهن لم يتجاوزن سن الخامسة، يواجهن خطر التعرض لتشويه دائم يترك ندوبًا لا تُمحى، ليس فقط على أجسادهن، بل في أعماقهن النفسية وذاكرتهن العاطفية.
ختان الإناث ليس تقليدًا بريئًا، ولا ممارسة صحية، ولا فريضة دينية. إنه انتهاك صارخ لحقوق الإنسان، يتعارض بشكل مباشر مع اتفاقية حقوق الطفل التي تكفل حماية الأطفال من جميع أشكال العنف والإيذاء، كما يتنافى مع اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو). إنه اعتداء على الحق في السلامة الجسدية، والحق في الصحة، والحق في الحياة الكريمة.
من الناحية الصحية، تتراوح مضاعفات الختان بين نزيف حاد قد يودي بحياة الطفلة، والتهابات مزمنة، ومضاعفات خطيرة أثناء الحمل والولادة، وصولًا إلى صدمات نفسية طويلة الأمد مثل الاكتئاب، واضطرابات القلق، وفقدان الشعور بالأمان. كما ينعكس أثره على الحياة الاجتماعية والعاطفية للنساء، ويؤثر في علاقاتهن الزوجية وثقتهن بأنفسهن.

#image_title
ورغم أن العديد من الدول جرّمت هذه الممارسة ووضعت قوانين واضحة لمكافحتها، إلا أن التطبيق ما يزال يواجه تحديات مرتبطة بالصمت المجتمعي، والخوف من الوصم، واستمرار بعض المعتقدات الخاطئة. فالقانون وحده لا يكفي، ما لم يرافقه وعي مجتمعي حقيقي، وتمكين للنساء، وإشراك للقيادات الدينية والاجتماعية في تصحيح المفاهيم المغلوطة.
إن معركتنا ضد ختان الإناث ليست معركة ضد ثقافة بعينها، بل هي معركة من أجل الكرامة الإنسانية. هي دعوة لحماية الطفلات من عنف يُمارس باسم الشرف أو الطهارة، بينما هو في جوهره سلبٌ لحقهن في أجسادهن وفي مستقبل آمن.
علينا أن نرفع الصوت عاليًا، أن نكسر حاجز الصمت، وأن نضع هذه القضية في صدارة النقاش العام. فكل طفلة تُنقذ من هذه الممارسة هي انتصار للإنسانية جمعاء. وكل مجتمع يتخلى عنها يخطو خطوة حقيقية نحو العدالة والمساواة.
ختان الإناث ليس قدرًا محتومًا، بل ممارسة يمكن إنهاؤها بالإرادة السياسية، والوعي المجتمعي، والتزامنا الأخلاقي والحقوقي. مسؤوليتنا اليوم أن نحمي الجيل القادم، وأن نؤكد أن جسد الطفلة ليس ساحة لتقاليد موروثة، بل أمانة يجب صونها واحترامها.
الصمت لم يعد خيارًا. والدفاع عن حق الفتيات في حياة آمنة وكريمة هو واجب لا يحتمل التأجيل.
