كثير من القرارت الادارية البسيطة التي يتم اتخاذها تكون أداة فعالة لتحقيق آثار إيجابية مختلفة، سواء في الجانب الاقتصادي أو الاجتماعي أو الصحي. فليس شرطاً أن تكون الحلول ذات الكلفة العالية هي الخيار الوحيد لتحسين الكفاءة وبالذات كفاءة الخدمات العامة، خاصة مع التحديات المالية والاقتصادية التي تواجه الحكومات!
مؤخراً اتخذ وزير الصحة قرارا إجرائيا تنظيميا إداريا بسيطا، وبدون كلفة أو شراء أجهزة جديدة أو توسع في البنية التحتية. هذا القرار ارتبط بتقديم خدمات الرنين المغناطيسي والذي يعد من أكثر الخدمات التشخيصية أهمية وكلفة في القطاع الصحي. فقد عانت المستشفيات الحكومية وعانى المرضى ولفترات طويلة من طول فترات الانتظار للحصول على هذا الفحص. طبعاً هذا التأخير ليس “مشكلة صحية فقط”، بل يمتد ليكون عبئا اقتصاديا يؤثر على المرضى والدولة معاً!
لكن الإجراء التنظيمي المتخذ مؤخراً من وزارة الصحة شمل تحسين آليات جدولة المواعيد وإعطاء الأولوية للحالات حسب درجة الاستعجال الطبي، بالإضافة إلى تقليل الفحوصات غير الضرورية أو المكررة، ورفع كفاءة تشغيل أجهزة الرنين، ليقصر من أيام الانتظار الطويلة حفاظاً على صحة المرضى ولتقليل الكلفة الاقتصادية التي تتزايد عند تأخير التشخيص، ولتجنب زيادة المضاعفات الطبية وارتفاع مدد الإقامة في المستشفيات وتحويل عدد كبير من المرضى إلى القطاع الخاص على نفقة الحكومة.
رغم بساطة هذه القرارات، إلا أن أثرها الصحي والاقتصادي سيكون كبيرًا ومع الوقت سيصبح أكثر وضوحاً، فقد أدت إلى زيادة عدد فحوصات الرنين المغناطيسي المنفذة شهريًا بشكل ملحوظ باستخدام نفس عدد الأجهزة والطواقم، ما يعني تعظيم الاستفادة من موارد مرتفعة الكلفة وتقليل الهدر التشغيلي. كما أسهمت هذه الإجراءات في تقليص فترة الانتظار من سنة كاملة إلى شهر واحد فقط، وهو تحسن كبير سينعكس مباشرة على صحة المرضى وكفاءة النظام الصحي.
محور العملية كلها هو صحة المواطن، فهي الأساس والجوهر، لكن اقتصادياً سيؤدي تسريع التشخيص الى تقليل المضاعفات الطبية الناتجة عن التأخير، مما يخفّض الحاجة إلى تدخلات علاجية مكلفة، ويقلّل مدة الإقامة في المستشفيات. هذا الانخفاض في أيام المبيت والعلاج سينعكس في صورة وفر مالي مباشر يُقدّر بمئات الآلاف من الدنانير سنويًا، وهو وفر تحقق دون أي استثمار مالي إضافي يُذكر.
طبعا لا يقتصر الأثر الاقتصادي لهذه القرارات على الموازنة الحكومية، بل يمتد إلى المرضى والمجتمع. فالحصول على التشخيص في وقت أقصر سيساعد المرضى على العودة إلى العمل بسرعة أكبر، ويخفض الإنفاق الشخصي على الفحوصات في القطاع الخاص. كما سيكون له دور مهم في تعزيز رضا المواطنين عن الخدمات الصحية، وهو عامل مهم في بناء الثقة بين المواطن والمؤسسات العامة.
تجربة وزارة الصحة تظهر بأن الإصلاح الإدراي له أثرٌ وانعكاس مهم فهو أداة فعالة حقيقية قادرة على رعاية صحة المرضى وحماية المال العام وتحسين جودة الخدمات في آن واحد. وقرار وزير الصحة هو مثال يدلل بأن القرارات الإدارية الذكية قد تكون أكثر تأثيراً من الحلول المكلفة.
