نحن اليوم أمام حاجة تشريعية واقعية تفرضها طبيعة سوق العمل، وتفرضها كذلك متطلبات الاستقرار الاقتصادي وجاذبية البيئة الاستثمارية، إذ لم يعد مقبولاً أن تبقى النزاعات العمالية رهينة المسار القضائي منذ لحظتها الأولى، بما يحمله ذلك من تصعيد غير ضروري وتوتر في العلاقة بين العامل وصاحب العمل. من هنا تبرز فكرة إنشاء مركز متخصص لفض النزاعات العمالية كإجراء إلزامي يسبق الإحالة إلى المحكمة العمالية، لا بوصفه عائقاً أمام الحق في التقاضي، بل كمسار قانوني منظم يهدف إلى احتواء النزاع ومنح الأطراف فرصة حقيقية وعادلة للوصول إلى حل متوازن خلال مدة زمنية قصيرة ومحددة.
إن اعتماد هذا المركز يعكس فهماً متقدماً لوظيفة العدالة العمالية، التي لا تقتصر على الفصل في الخصومة، بل تمتد إلى حماية استمرارية علاقات العمل متى أمكن ذلك، أو إنهائها بصورة قانونية تحفظ الحقوق وتقلل الخسائر. فالعامل يجد في هذا المسار جهة محايدة قادرة على الاستماع إلى مطالباته وفحصها بميزان القانون، دون أن يُدفع مباشرة إلى خصومة قضائية، وصاحب العمل أو المستثمر يجد مساحة قانونية آمنة لمعالجة النزاع بعيداً عن التصعيد، وبما يحفظ استقرار منشأته وسمعتها ومصالحها التشغيلية.
إن إلزامية اللجوء إلى مركز فض النزاعات العمالية قبل المحكمة تشكل ضمانة مزدوجة، لأنها تمنع التسرع في التقاضي، وتحد في الوقت ذاته من أي استغلال محتمل لضعف أحد أطراف العلاقة العمالية. فوجود خبراء مختصين بالقانون والعمل، يتمتعون بالكفاءة والاستقلالية، يضمن أن تكون محاولات التسوية قائمة على أسس قانونية راسخة، ومراعية لطبيعة كل نزاع وخصوصيته، لا على حلول شكلية أو ضغوط غير مبررة على أي طرف.
وتكمن أهمية هذا المركز أيضاً في تحديد مدة زمنية قصيرة لا تتجاوز ثلاثين يوماً كحد أقصى لإنجاز مهمة فض النزاع. فحسم الخلاف ضمن إطار زمني واضح يحقق اليقين القانوني، ويمنع بقاء النزاع معلقاً بما ينعكس سلباً على العامل والمؤسسة على حد سواء. هذه المدة تدفع الأطراف إلى الجدية، وتلزم القائمين على المركز ببذل أقصى درجات المهنية والكفاءة، وتؤكد أن الهدف هو الحل السريع والعادل، لا الإطالة أو التسويف.
ويتعزز أثر هذا المسار حين يُقترن بانتشار مؤسسي مدروس للمركز من خلال إنشاء فروع له في جميع محافظات المملكة، بما يضمن سهولة الوصول إليه، ويمنع تركز العدالة العمالية في العاصمة أو حرمان أي طرف من اللجوء إلى هذه الآلية بسبب البعد الجغرافي. إن اللامركزية في تقديم خدمات فض النزاعات العمالية تمثل بعداً جوهرياً في تكريس العدالة والمساواة، وتؤكد أن الحماية القانونية حق مكفول في كل موقع عمل، لا امتيازاً مرتبطاً بالمكان.
كما أن تنظيم عمل المركز على أساس تقديم خدماته مقابل رسوم رمزية، تُستوفى بالتساوي من العامل والمؤسسة، يشكل ضمانة إضافية للجدية والحياد، ويعزز الإحساس بالمسؤولية المشتركة عن إدارة النزاع. فالرسوم الرمزية لا تشكل عبئاً على العامل، ولا كلفة مؤثرة على صاحب العمل، لكنها في الوقت ذاته تمنع الاستهتار أو التعسف في اللجوء إلى المركز، وتكرس مبدأ أن العدالة التوافقية خدمة قانونية لها قيمة، وليست إجراءً شكلياً أو مجانياً بلا ضوابط.
ولا يخفى ما يترتب على هذا المسار من أثر مباشر في تخفيف العبء عن المحاكم العمالية، التي باتت مثقلة بعدد متزايد من القضايا. فحل نسبة معتبرة من النزاعات في مرحلة ما قبل التقاضي يتيح للقضاء التفرغ للقضايا التي تستدعي الفصل القضائي، ويرفع من جودة العدالة وسرعة الفصل، ويعزز ثقة المتقاضين بالمنظومة القضائية ككل.
أما على صعيد الاستثمار، ولا سيما الاستثمارات الأجنبية الكبرى، فإن وجود آلية إلزامية ومحايدة لفض النزاعات العمالية يشكل عاملاً حاسماً في اتخاذ القرار الاستثماري. فالمستثمر يبحث عن بيئة قانونية مستقرة، واضحة، وقادرة على إدارة الخلافات دون أن تتحول إلى أزمات مفتوحة. وعندما يلمس أن النزاعات العمالية تُدار ضمن إطار مهني سريع، وبإشراف خبراء قانونيين، فإن ذلك يبعث برسالة طمأنة قوية مفادها أن الدولة شريك في الاستقرار، لا طرفاً في النزاع.
إننا حين نؤسس لمركز فض النزاعات العمالية بهذه الصيغة، نكون قد خطونا خطوة متقدمة نحو عدالة عمالية حديثة، تحقق التوازن بين حماية العامل وصون مصالح أصحاب العمل، وتخدم في الوقت ذاته المصلحة الاقتصادية العليا للدولة. فهذه الآلية ليست بديلاً عن القضاء، بل دعامة له، وليست تنازلاً عن الحقوق، بل وسيلة حضارية لصونها، وهي في جوهرها استثمار في الاستقرار القانوني والاجتماعي، وهو الاستثمار الأكثر استدامة على المدى البعيد.
محامٍ وخبير قانوني
