(أضاعوني وأيّ فتى أضاعوا
ليوم كريهة وسِداد ثَغْر)
شاعر عربي قديم
من المتعارف عليه بين الباحثين، أن يستغرق تعريف المكوّنات الرئيسة لعنوان الأطروحة أو موضوعها، غير قليل من الصفحات، لكنني سوف أضرب صفحاً عن هذا العرف وأبادر للقول:
* الشباب هم: الأفراد من الذكور والإناث الذين تتراوح أعمارهم بين الخامسة عشرة والثلاثين عاما.
* الفكر العربي الراهن هو : الجهد التنظيري المسوق بإحدى المنهجيات أو المعايير الفكرية القديمة أو الحديثة، العربية أو الغربية.
ولعل من شأن التحديد الأول الخاص بالشباب، أن يوفّر مشقّة التهويم بين التعريفات التي يصل بعضها حد المجاملة للكهول – حتى يبقيهم على مقاعد الشباب- بدعوى أن الشباب هو شباب العقل وشباب الروح ! فيما أن المعيار العلمي للشباب هو المعيار البيولوجي البحت، الذي لا يجوز الالتفاف عليه، نظراً لما يترتب على هذا الالتفاف من التباسات تجعل كل فرد شاباً، فتنتفي لذلك الفائدة المرجوة من ضرورة التحديد القطاعي الجامع المانع.
كما أن من شأن التحديد الثاني أن يوفّر أيضاً مشقّة الخلط بين مفهوم الثقافة العربية الراهنة – بقطاعاتها الواسعة المكتوبة والمرئية والشفوية- وبين مبحث الفكر العربي، باتجاهاته التقليدية والحداثية وما بعد الحداثية. على انني لن أتعرض لما يحفل به الموروث العربي والإسلامي النبيل والغني، من أقوال وآراء ونظرات حول الشباب، نظراً لأن معظم هذا الموروث معروف ومتداول، ولأن مطلوب هذه الأطروحة يتجه إلى الاشتباك مع الفكر العربي الراهن.
ولا ريب في أن التساؤل الأكثر وجاهة على صعيد بحثنا يتمثل فيما يلي: هل يجوز لنا أن نجزّئ القطاعات المستقبلة للفكر العربي الراهن؛ فنتحدث عن الشباب والفكر العربي… أو المرأة والفكر العربي… إلخ؟! إن هذا التساؤل يمثل – فيما أرى – المصادرة الأكثر إحراجاً للباحث على الصعيد المنطقي، لأننا نفترض أن الفكر العربي الراهن، قد وفر خيمة من الطروحات والتنظيرات للإنسان العربي بوجه عام؛ فهل قام بذلك
فعلا؟!
إذا انطلقنا من لحظة الانهيار التراجيدي للاتحاد السوفيتي – لمعاينة وتشخيص الكيفية التي حاول الفكر العربي الراهن وفقها أن يتكيّف مع الظروف التاريخية التي استجدت- فسوف نلاحظ أن السّمة الأكثر سطوة على هذه المحاولة، هي التلفيق الذي يصل حد انعدام الوزن التام، أمام الزلزال الفكري الذي أصاب العالم بعد انهيار هذا الاتحاد. وحرصا منا على عدم التهرّب من مواجهة مطلوب هذه الأطروحة – عبر استطرادات واستعراضات فكرية – فسوف اكتفي بالقول: قُيّض لي أن أُقدّم كثيراً من المفكرين الأساسيين في الوطن العربي، وكم كان مفجعاً لي ولآخرين، ملاحظة التحوّلات الدراماتيكية لدى معظم هؤلاء المفكّرين، الذين انتقلوا من موقع التفكير العلمي الموضوعي الواقعي النقدي، إلى موقع التفكير المثالى القيامي الطوباوي الرومانسي. وعلى سبيل المثال لا الحصر فقد قُيّض لي أن أحاور وبتاريخ (30/9/ 2000 )، المفكر الاقتصادي العربي المعروف الدكتور جلال أمين، حول (العرب في عصر العولمة وما بعد العولمة)، لأفاجأ – ويفاجأ معي كل من تابع طروحاته الفكرية العلمية عبر عقود – بنفيه التام لجدوى الاقتصاد في الحياة العربية، وبمراهنته على انقلاب الأحوال لصالح العرب بعد أن تمرّ عاصفة العولمة. وإلى أن تمر هذه العاصفة، فما علينا نحن العرب إلا أن نقر بهزيمتنا في (معركة العولمة) أملا بالانتصار في ( رب ما بعد العولمة!
هذا المثال المفجع؛ لا يظهر الانتقال الدراماتيكي من موقع التفكير العلمي الإيجابي إلى موقع التفكير المثالي السلبي بفعل الرضة الفكرية العنيفة التي أحدثها انهيار الاتحاد السوفيتي واستفراد الولايات المتحدة الأمريكية بملعب الأفكار والأقدار فقط بل هو يظهر مدى سلبية وعدمية الحلول والبدائل التي قدمها الفكر العربي الراهن للإنسان العربي بوجه عام، وللشباب العربي بوجه خاص على صعيد العولمة.
ولعلّ من المفارقات الطريفة؛ الإشارة إلى أن العولمة لا تكاد تذكر إلا ويذكر معها الشباب العربي أو العكس من ذلك. وفيما يتم الزج في الحالين بمسألة الهوية الوطنية أو القومية أو الحضارية، فإن معظم الطروحات إذ هي تؤكد ضرورة العمل على التصدي لهذه العولمة بكل السبل الممكنة، إلا أنها لا تؤكد بالقدر نفسه على ضرورة إعادة بناء العلاقة المهزوزة تاريخياً، بين الفرد العربي بوجه عام والشباب العربي بوجه خاص من جهة، وبين الدولة والمؤسسة من جهة ثانية، بل أن الباحث الموضوعي يجد نفسه مضطراً للتساؤل: لصالح أي إطار يتم التصدي للعولمة، إن لم يكن لإطار الدولة الوطنية ومؤسّساتها وإن لم يكن لإطار الهوية الوطنية ومفرداتها؟!
إن هذا الإغفال المقصود أو غير المقصود لضرورة التأكيد والتأشير على الإطار السيادي الذي ينبغي النضال في سبيل تصليبه لمواجهة العولمة، يبدو نتاجاً لعدم التفريق بين ضرورة النقد الحداثي لسلبيات الدولة العربية القطرية القائمة على أرض الواقع – والتي لا يجوز التفريط بضرورة المحافظة عليها- وبين الانسياق مع النقد اللاحداثي لسلبيات هذه الدولة، الذي يصل حد المطالبة بتفكيكها ونزع جدواها وإفراغها من أي دور أو معنى أو مضمون تاريخي. شهدنا نموذجا لمثل هذه الدعوات التفكيكية بصورة مباشرة أو غير مباشرة، ولعل محاضرة المفكّر ما بعد الحداثي (علي حرب) أبرزها دون ريب. وقد نشرت في المجلد الرابع من حوارات الفكر العربي، التي أصدرتها مؤسسة عبد الحميد شومان بعنوان (المشروع الحضاري العربي بين التراث والحداثة).
إزاء مثل هذه المفارقة التي تظهر أن الفكر العربي الراهن والمفكرين العرب الراهنين، هم في الواقع أشبه بدون كيشوت يقاتل طواحين الهواء – ولكن دون حبيبة متوهّمة أو حقيقية يُدافع عنها – فإن من البديهي أن يهرول بعض الشباب العربي، باتجاه الاغتراب في نموذ جين وزمنيين مفارقين للواقع العربي الحديث.
أما الاغتراب في النموذج الأول؛ فيبدأ بالانبهار بنمط الحياة الغربية، حتى يصل حدود الانفصال التام عن الواقع العربي بهمومه وقيمه. وتمثّل وسائل الاتصال وتكنولوجيا المعلومات المنظّر الأول لهذا الاغتراب المتراكم عبر ملايين الصور والمشاهد والمعلومات الرقمية المنهمرة بلا انقطاع كالطوفان.
وأما الاغتراب في النموذج الثاني؛ فيبدأ بالانبهار بالصورة المثالية لنموذج دولة الخلافة، حتى يصل حدود رفض الصيغة المعاصرة للواقع العربي بمتطلّباته واستحقاقاته ومسؤولياته. وتمثل بعض الأدبيات التي توزّع على نطاق محدود والتي عُزّزت مؤخرا بوسائل الاتصال وتكنولوجيا المعلومات أيضاً، المنظِّر الأول لهذا الاغتراب في فترة زمنية محدودة.
إن هرولة بعض الشباب العربي باتجاه الاغتراب المتطرّف في النموذج الغربي، أو باتجاه الاغتراب المتطرّف في النموذج المثالي للخلافة، لا يعني أن الغالبية العظمى من الشباب العربي هي في أحسن حال، لأن معظم المؤشّرات المستقاة من الندوات والمؤتمرات والدراسات الكثيرة التي أقيمت أو أُجريت خلال العقود المنصرمة، تؤكّد أن هناك اهتزازاً شديداً في الرؤية الفكرية لدى هؤلاء الشباب، يترافق بميل عام للسلبية، والعزوف الشديد عن المشاركة في أوجه التنمية والتطوير المختلفة، والإقبال منقطع النظير على وسائل الترفيه والإمتاع البصري والسمعي والحركي، والشعور بالهامشية والاستبعاد من عمليات صنع القرار.
وعلى الرغم من ضرورة التنويه بالجهود الجادة والحثيثة التي بذلتها بعض الأقطار العربية – ومنها الأردن – فإن عوائق ثقافية وتقنية ما زالت تحول دون بلوغ الهدف المنشود. حيث تقف الصياغة الفنية العالية والمتخصصة بالتعاون مع خبراء في منظمات دولية، حجر عثرة يحول دون وصول كثير من المفاهيم ببساطة ويسر، إلى أذهان طلبة الجامعات. كما يضطلع التوجس التقليدي المتجذر لدى الشباب العربي تجاه أية مبادرة حكومية رسمية للتواصل معه أو لتشجيعه على التفكير بصوت عال، بدور أساسي في الإبقاء على فجوات تضيق وتتسع بين المؤسسات الرسمية والشباب العربي، تبعا لمدى قرب هذه المؤسسات الرسمية العربية من الشباب أو لمدى مصداقيتها على أرض الواقع.
ولعل ضرورة الاعتراف بوجود هذا التوجّس لدى القطاع الأكبر من الشباب العربي – بخصوص المبادرات الرسمية والحكومية تجاهه ولأسباب تاريخية تتصل باهتزاز حبل الثقة أصلاً بين المواطن العربي وبين الدولة العربية- هو ما يجعل من مطالبتنا بضرورة اتجاه الفكر العربي والمفكرين العرب إلى الاعتناء بالشأن الشبابي – الذي يمثل دون ريب الرهان الرئيس على المستقبل- دعوة ملحّة تصل حدود الرغبة في الصراخ، لإيقاظ القاطنين في كهوف أفلاطون التي تكاثرت في الوطن العربي مؤخراً، وتكاثرت معها اليافطات النخبوية الأنيقة، والتنظيرات والشعارات المخملية، التي لا تكاد تصمد أياماً معدودة حتى يذروها النسيان. فلمن ينبغي أن يُعمل المفكرون العرب عقولهم إن لم يكن من أجل الشباب العربي؟! وما القضايا الأجدر بالبحث والتفكير إن لم تكن قضايا الشباب العربي؟ وإلى متى سيظل المفكرون العرب متشبثين بالاختلاف حول عدد الملائكة الذين يمكن أن يقفوا على رأس دبوس – كما كان يفعل سفسطائيو بيزنطة – في الوقت الذي يجد معه الشباب العربي أنفسهم، نهباً لانعدام الوزن الثقافي والفكري والحضاري، والاتجاه المتزايد للعنف والتعصب والإحباط الشديد، بسبب تصاعد نسب البطالة، والانسداد في آفاق التسوية المشرّفة للقضايا المصيرية العربية، وتلاشي أحلام ومشاريع الوحدة السياسية والاقتصادية والثقافية، والتزايد في نسب الإدمان على المخدرات بأنواعها؟
وحتى لا أُتهم بركوب موجة التشريح السهل – إذ ليس أيسر من التأشير على أوجه القصور – فإنني لم أدخر وسعاً خلال السنوات الماضية، لمقاربة المخرج من هذا المأزق، عبر بعض ما كتبت من مقالات أو دراسات، أو بعض ما ألقيت من محاضرات. ويمكنني أن أٌلخّص أبرز ملامح هذه المقاربة فيما يلي:
أولاً: التوقّف عن استخدام الشباب كوقود بشري للشعارات السياسية أو الأيديولوجية؛ إذ فيما ينبغي العمل بكل تفان على ابتكار وإطلاق كثير من الأفكار الجديدة الدافعة والخلاقة، في أماكن تواجدهم وعبر أساليب الاتصال والإقناع الفردي والمجموعاتي (وليس الجماعي)، فإن من الضروري والضروري جداً، التخلي تماماً عن نظرية (الحشد والتحشيد) التي تنتمي إلى حقبة الخمسينيات، التي أنتجتها النظم السياسية الشمولية الاشتراكية على وجه التعيين. إن الإصرار على مواصلة التعامل مع الشباب، على أنهم معطى عددي أو كمي هائل قابل للتنميط والتوجيه في أي وقت، لن يتمخض إلا عن القليل والقليل جداً من المعطيات النوعية. وعلى الرغم من الصعوبة الشديدة التي يمكن أن تحول دون إمكانية توقف المجتمعات العربية عن التعاطي مع الشأن السياسي أو الاقتصادي أو الثقافي بمعزل عن نظرية (الحشد والتحشيد ) بكل بواعثها العصبوية التاريخية، فإن المسؤولية التاريخية التي ينبغي أن يتحسّسها كل باحث أو مثقف أو مفكر مشغول بالشأن الشبابي، تدفعه إلى الإقرار بأن الاتصال الفردي المدروس أو الانخراط مع المجموعات الشبابية الحوارية قليلة العدد، هما الأسلوبان الأكثر نجاعة لإفراز حالات شبابية نوعية هادئة، يمكن أن تضطلع بإحداث فرق ملموس على المدى القريب والبعيد، وخاصة لأن التغذية الراجعة المستقاة من مجموعات شبابية عربية – وفي أكثر من قطر عربي – تشير إلى أن الانطباع الأساسي لدى هذه المجموعات بخصوص أسلوب حشدها أو تحشيدها، يتمثل في الاعتقاد بأن (النفعية) هي السمة الرئيسة التي تحكم علاقة المؤسسات الشبابية بالشباب، حيث ينظر إليهم على أنهم مخزون بشري يستخدم وقت الحاجة لأسباب دعائية بحتة.
ثانياً: تحرير الشباب العربي من النموذج التاريخي الخارق، الذي بات يثقل كاهل الشباب العربي ويشعره بالقزمية والإحباط، والاعتقاد بأنه مهما فعل فإنه لن يتمكّن من مسامتة القامات الأسطورية المتربّعة في مناهجنا المدرسية والجامعية. علينا أن نتقبل الشباب العربي الراغب في التغيير الإيجابي كما هو؛ بإمكاناته البشرية القابلة للتطوير والتحسين دون أن نجلده بنماذج خارقة للعادة. علينا أن نتعامل معه بوصفه بشراً يصيب ويخطئ، يأكل ويشرب وينام، يحب ويكره؛ يبكي دون أن يكون ذلك مؤشّراً على ضعفه ويضحك دون أن يكون ذلك مؤشّراً على سخافته. علينا أن نبدأ من (عنده) وليس من (عند) أية لحظة تاريخية أو نموذج تاريخي سابق له في الوطن العربي، أو مزامن له في أماكن أخرى، إلا بالقدر الذي يفضّل معه هو، أن يرفع درجة التحدي لمسامتة المثال أو النموذج.
ثالثاً: إحلال وترسيخ (بطولة المعرفة) في المجتمعات العربية إلى جانب (البطولة السياسية) و(البطولة الاقتصادية) و(البطولة العسكرية) و(البطولة الرياضية) و (البطولة الفنية)؛ إذ ما نفع تأكيدنا أهمية الاقتصاد المعرفي ورأس المال البشري ليل نهار، دون أن نعمل بتفان على إطلاق وإبراز قصص النجاح والتفوّق العلمي والثقافي والفكري للشباب العربي، التي ندرك أنها في المحصّلة الأخيرة، هي التي ستتكفل بإحداث الفرق الحقيقي على صعيد تطوير الواقع وصناعة المستقبل.
رابعاً: إخلاء مسرح التنظير والتفكير حول الشباب، للمنظّرين والمفكّرين الواعدين من الشباب أنفسهم، ومهما اعتور مساهماتهم من ضعف هنا أو خطأ هناك. لان المستفيد الأول من المستقبل هو الأجدر بالتحدّث عنه وباسمه.
