عروبة الإخباري –
عالمٍ يتجه بخطى متسارعة نحو الرقمنة، لم تعد الفاتورة الإلكترونية مجرّد أداة تقنية لتحسين العمل المحاسبي، بل تحوّلت إلى أحد أعمدة الحوكمة المالية الحديثة. فهي تمثّل نقطة التقاء بين الشفافية، والعدالة الضريبية، وبناء الثقة بين الدولة والقطاع الخاص. ومع اعتمادها رسميًا في دول متقدمة ونامية على حدّ سواء، يبرز سؤال ملحّ في السياق اللبناني: هل يمكن للبنان أن يكون جزءًا من هذه التجربة، أم أن الواقع لا يزال يضعه خارج هذا المسار؟
لبنان، الذي يعاني منذ سنوات من اختلالات مالية عميقة، وتهرّب ضريبي واسع النطاق، وضعف في أدوات الرقابة والتحصيل، يبدو من أكثر الدول حاجة إلى نظام يُعيد تنظيم العلاقة بين النشاط الاقتصادي والإدارة العامة. في هذا الإطار، تطرح الفاتورة الإلكترونية نفسها كحلّ بنيوي لا يقتصر على استبدال الورق بالصيغة الرقمية، بل يؤسس لمنظومة بيانات دقيقة تسمح بفهم حقيقي لحجم الاقتصاد، وتُسهِم في تحسين التخطيط المالي واتخاذ القرار.
غير أن الانتقال إلى هذا النموذج لا يمكن فصله عن البيئة التي سيُطبّق فيها. فضعف البنية التحتية الرقمية، وتشتّت الأنظمة الحكومية، وغياب الربط الفعّال بين الإدارات، تشكّل عوائق حقيقية أمام أي مشروع رقمي وطني. إلى جانب ذلك، تقف مسألة الثقة كعنصر حاسم؛ إذ يصعب إقناع المكلّفين بالالتزام الكامل بالتصريح الإلكتروني في ظل شعورٍ عام بعدم المساواة في التطبيق، أو الخشية من استخدام البيانات خارج إطار العدالة والحوكمة الرشيدة.
ويزداد التحدي تعقيدًا في اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على التعاملات النقدية، حيث تبقى شريحة واسعة من النشاط الاقتصادي خارج أي نظام رقابي أو مصرفي. في مثل هذا الواقع، قد تتحوّل الفاتورة الإلكترونية، إن فُرضت بشكل فجائي، إلى عبء إضافي بدل أن تكون أداة إصلاح، ما لم تُدرَس بعناية وتُنفّذ ضمن مسار تدريجي ومدروس.
من هنا، يبدو أن إدخال الفوترة الإلكترونية في لبنان، إن حصل، لن يكون عبر قرار شامل ومباشر، بل من خلال خطوات متدرّجة تبدأ بالقطاعات الكبرى والمؤسسات المنظمة، وربطها لاحقًا بضريبة القيمة المضافة والجمارك، قبل التوسّع نحو باقي شرائح الاقتصاد. وغالبًا ما سيكون هذا المسار مدفوعًا، جزئيًا على الأقل، بمتطلبات الإصلاح التي تفرضها الجهات الدولية الداعمة.
في المحصّلة، الفاتورة الإلكترونية ليست ترفًا تقنيًا للبنان، بل حاجة إصلاحية ملحّة. غير أن نجاحها يبقى مشروطًا بإرادة سياسية واضحة، وإصلاح إداري جدي، وبناء ثقة متبادلة بين الدولة والمكلّف. فهي ليست مجرّد نظام معلوماتي، بل عقد جديد لتنظيم الحياة الاقتصادية على أسس أكثر شفافية وعدالة واستدامة.
