فرسان الكلمة لا يتقاعدون لأنهم يرون في ذلك تقاعسا. لكن الصمت أبلغ من الكلام أحيانا. فقط إن كان لذلك الصمت موقفا، ومن ثم حضورا فاعلا. ويا سعد من كان حضوره الفاعل دائما مستداما لا ينتظر دعوة رسمية ولا أهلية!
من المهم الحفاظ على تراثنا الروحي والحضاري في الإبقاء على فكرة «الندوة». مؤسسة الندوة التي عرفها العرب وسادتها قريش، كانت خاصة وعامة، في آن واحد. الناس كان أحرارا في قول ما شاءوا. والشعر كان قبل الإسلام وبعده، سلاح بناء ودمار شامل في نصليه وحدّيه وشُعبتيه. الكلمة شعرا و نثرا كانت أقوى من الكتابة، ما قبل الطباعة والنشر الورقي والإلكتروني، وما تلاه من ذكاء اصطناعي، ليس بالضرورة أن يكون نهاية المطاف، فما زلنا في أواسط العقد الثالث من الألفية الثالثة.
ندوات هذا الزمان ومؤتمراته ومنتدياته مهمة، أينما عقدت وتحت أي رعاية كانت. في مشارق الأرض ومغاربها، الحضور الأردني الأهلي قبل الرسمي غاية في الأهمية، فليس أكثر خسارة من الغياب. في ظل الانفجار الإعلامي، بالأحرى الاتصالي، والأدق الرقمي، والأكثر دقة المعلوماتي، من الخطر الغياب والأخطر التغييب والإقصاء الذاتي بدعوى الترشيد في الإنفاق، فذلك ليس إنفاقا، بل استثمارا.. لكن الحمل ثقيل في ظل اتساع الهوة بين الإيرادات والنفقات، وبين الاحتياجات والرغبات، والطموحات والأحلام. وعليه، ثمة حاجة إلى ارتقاء الأفراد والجماعات القادرة ماليا ومعرفيا ومهنيا على النهوض بمسؤوليات المبادرة، وليس الاكتفاء بانتظار دعوة للمشاركة.
لطالما قرأنا وتعبّدنا، تأملنا وتدبّرنا، في الكتب السماوية وسِير الرسل والأنبياء والأولياء والقديسين والأبرار. كان انطلاق دعوتهم بكل اللغات التي نطقوا بها في مشرقنا العظيم، بأن «تعالوا».. دعوة لا تَعاليَ فيها، على عِظم ما فيها من سمو وطهر وخير. دعوة عادة ما يسبقها قرع الأبواب، والاتضاع بدخول عالم من هم أحوج الناس إلى سماع كلمة الحق، وكلمة حق.
من المحزن والمؤسف، صمت وتواري البعض عن الأنظار، سيما في الأزمات والمحن والخيارات المفصلية الحساسة، وقد ملأوا الدنيا سمعا وبصرا قبل انتهاء «الخدمة» في القطاعين العام أو الخاص، ملأوها بأخبار رعايتهم مؤتمرات متخصصة «فارهة»، في ميادين منها ما هو علمي ومنها ما هو عملي، في مروحة كبيرة لا تبدأ بالأمن والسياسة ولا تنتهي بالصحة والاقتصاد.
من السهل التنظير، خاصة عن بعد! لكن هاك «الميدان يا حميدان»، «تكلّم حتى أراك».. اسمعنا صوتك وأرِنا طلتك البهية قبل أن تنادي «تعالوا» في الانتخابات ومواسم التعيينات!
الجمهور متعطّش لسماع ورؤية ما يخفف من الفوضى المعلوماتية والارتباك الإعلامي والإرباك الاتصالي. كلمة السر في تقديري، هي النأي عن التعالي في دعوة الناس، ولربما البدء بحُسن الإنصات إليهم.. في كل شيء، من إيران إلى غرينلاند مرورا بفنزويلا، وطبعا من باب أولى من سوريا إلى غزة. والأهم والأكثر أولوية وإلحاحا، من أولويات الأمن والاقتصاد الأردني إلى ما سواه من شؤون أردنية في تفاصيل التفاصيل المحلية.. فأي دعوة أكثر تأثيرا واستدامة من التواصل -على بساط أحمديّ- مع ربات البيوت وأولياء الأمور وقادة المجتمع الحقيقيين المؤثرين فيه حقا، أعجبونا أم أثاروا ما هو أشد من الاستياء؟ حتى تصل الرسائل وتكون مؤثرة، من المنطقي أن نطلب الرقم الصحيح، فتكون للدعوة رنّة وطنّة، وللرسالة «شَنّة»!
