مع تسارع تطور أساليب الاتصال والتفاعل المجتمعي الذي أحدثته ثورة أدوات ووسائل التواصل الاجتماعي أصبحت الإشاعة والأخبار الكاذبة تشكل تهديدا أكثر خطورة على النسيج المجتمعي، وأداة تستخدم من بعض الأفراد والجهات بشكل ممنهج بهدف العمل على تقويض الثقة بين الناس ومؤسسات الدولة، وتحويل الخلافات التي تعتبر طبيعية في كثير من المجتمعات إلى صراع ممتد، وصولا إلى إضعاف قدرة المجتمع على مواجهة الأزمات، خاصة وأن طبيعة هذه الظاهرة تراكمية، فهي في حال استمرارها تؤدي مع الزمن إلى زرع الريبة، وتغذية الانقسام، وإعادة إنتاج النزاعات بصيغ أكثر تعقيدا، ومع تكرارها تصبح الروايات الزائفة أكثر رسوخا وانتشارا، بينما يبقى التصحيح ضعيفا ومتأخرا أمام سرعة تداول المحتوى المضلل.
قصة الطفلة “ملك” تقدم نموذجا صادما لتوضيح أثر الإشاعة على المجتمع، فعلى الرغم من أن وفاة الطفلة كانت نتيجة انسداد مجرى التنفس بعد رحلة وسيرة مرضية طويلة موثقة طبيا بحسب ما ذكرته والدتها، إلا أن بعض الحسابات على منصات التواصل الاجتماعي أصرت على تداول روايات زائفة تربط الوفاة بانقطاع الكهرباء وجهاز الأكسجين، دون أي دليل أو اعتبار لوجع وألم الأسرة المكلومة بفقدان طفلتها، وفي الواقع يبرز هذا المثال بشكل لا يقبل الشك أو التأويل قدرة الإشاعة على تحويل الأحداث الإنسانية إلى مادة للتحريض، واستثمار الألم في نشر الغضب وإضعاف السلم الاجتماعي، وهو ما يشي بخطورة هذه الظاهرة حين تتقاطع مع قضايا حساسة تمس حياة الناس اليومية، مثل الصحة والأمن والخدمات الأساسية أو حتى حين يتم تناول وتداول قضايا وملفات سياسية أو اقتصادية أو إدارية دون التحقق من مصداقية الأخبار والمعلومات ومصادرها الأصيلة .
الأرقام الرسمية تعكس حجم التحدي الذي يواجه المجتمع أمام هذا التدفق الرقمي المتسارع، حيث تشير بيانات مرصد مصداقية الإعلام الأردني (أكيد) إلى أن 90% من الإشاعات مصدرها منصات التواصل الاجتماعي، و86 خبرا كاذبا رُصدت خلال شهر واحد من أصل 96 مادة مضللة، بمعدل ثلاث إشاعات يوميا، وهو ما يؤكد أن المعلومات المغلوطة بقصد أو بغير قصد باتت جزءا يوميا من المشهد الرقمي، وأن المجتمع بحاجة إلى وعي مستمر، وفهم أكثر عمقا لحقيقة أن ليس كل ما ينشر على وسائل التواصل الاجتماعي يمكن اعتباره خبرا موثوقا أو معلومات دقيقة، خاصة إذا كان مصدر ذلك أشخاصا أو صفحات أفراد عاديين أو منصات وصفحات مجهولة الهوية أو بهويات مزيفة أو ما يسمى “الذباب الإلكتروني” الذي يتبع لجهات خارجية وليس لمؤسسات صحفية أو إعلامية معروفة وموثوقة لدى الجمهور.
خطورة الأخبار الكاذبة تتضاعف حين تتحرك ضمن سياق اجتماعي وسياسي، فهي لا تؤثر على الأفراد فقط، بل تشكل تهديدا للاستقرار العام، وتفتح الباب لاستغلال المشاعر الإنسانية في تحقيق مكاسب فوضوية أو سياسية، وتحول النقاش الطبيعي إلى منصة للصراع والخلاف المستمر، وهو ما يجعل الخطر يتضاعف في ظل الفراغ المعلوماتي، حيث تصبح أي معلومة متداولة سريعة الانتشار، في ظل غياب التحقق والمساءلة.
مواجهة هذه الظاهرة تتطلب جهدا مجتمعيا متكاملا يبدأ بتعزيز الدراية والثقافة الإعلامية وترسيخ آليات التحقق قبل نشر أي محتوى، والابتعاد عن الانجرار خلف العناوين المثيرة، وتفعيل دور الإعلام المهني القائم على الدقة والمسؤولية، إلى جانب دور المؤسسات الرسمية في التواصل الشفاف والسريع مع الجمهور، في حين تبدأ حماية النسيج المجتمعي من حماية الحقيقة واحترام الألم الإنساني، والتعامل مع كل معلومة كأمانة يجب استقبالها والتفاعل أو عدم التفاعل معها بوعي ومسؤولية.
في المحصلة، لا سبيل أمامنا في مواجهة الأخبار الكاذبة والإشاعات إلا بتحصين المجتمع عبر تعزيز الوعي الإعلامي وزيادة قدرة الأفراد والمجتمع والمؤسسات ذات العلاقة بالموضوعات التي يتم طرحها على التحقق من صحة المعلومات التي يتم تداولها عبر وسائل ومنصات التواصل الاجتماعي، وأن يتم التمييز بين الروايات الموثوقة والمصادر المعروفة وبين المحتوى الزائف الذي يهدف إلى تأجيج الغضب وتفكيك الثقة، حيث أن المجتمع الذي يمتلك وعيا حقيقيا بمخاطر الإشاعة هو الاكثر قدرة على الصمود أمام الفوضى الرقمية، وأكثر قدرة على حماية استقراره والحفاظ على تماسكه الاجتماعي والسياسي.
