كتب طلال السُكرّ –
ليس الغياب ما يُوجِع، بل أن يرحل رجلٌ كان حضوره يُشبه الأمان، ويترك خلفه فراغاً لا تملؤه الأيام ولا تُسكتُه السنوات.
منذ عام 2014، وسيرة عمّي الطيب، الكريم ، السميح، تُروى كأنها لم تغب، واسمه ما زال يُقال مقروناً بالاحترام، لأن بعض الرجال لا يموتون حين يُوارَون الثرى، بل حين تُنسى أخلاقهم… وهو لم يُنسَ، ولن يُنسى.
رحلتَ جسداً يا عمّي، وبقيتَ خُلُقاً حيّاً في الذاكرة، وبقي اسمك شاهداً عليك لا لك: عبد الكريم… فكنتَ للكرم عنواناً، أبو سميح… فكنتَ للسماحة خُلُقاً وسيرة، وكنتَ كما عرفك الناس، لا كما عرّفتَ بنفسك.
كنتَ بحقٍّ رجلاً في زمنٍ عزَّ فيه الرجال، ثقيلاً في المواقف، خفيفاً على القلوب، حاضراً حيث يجب الحضور، وصامتاً حين يكون الصمت أبلغ من الكلام. لم تكن الكرامة عندك فعلاً عابراً، بل طبعاً راسخاً، ولا السماحة مجاملة، بل خُلُقاً يُمارَس بصمت، دون انتظار شكرٍ أو ثناء.
كان الغريب يشهد لك قبل القريب، وتسبقك سمعتك الطيبة إلى المجالس، لا تحتاج إلى تعريف، فأفعالك كانت تقوم بذلك عنك.
ذكرٌ حسنٌ لا يُصطنع، وسيرةٌ طيبة لا تموت.
يا أبا سميح، كانت الصدمة يوم غبتَ عنّا، ولم يكن الفقد فَقْد أهلٍ فقط، بل فَقْد كل من عرفك، لأن غيابك لم يكن غياب شخص، بل غياب قيمة، ورحيل معنى من معاني الطمأنينة في زمنٍ كثير الاضطراب.
تركتَ لنا إرثاً أثقل من المال وأبقى من العمر: سمعةً نظيفة كالماء، نحملها أمانةً في أعناقنا، وتركتَ لأولادك وأحفادك اسماً، إذا ذُكر، ذُكر معه الاحترام، وتركتَ لمن بقي من إخوتك، ولأبناء إخوتك، ظلاً من الفخر لا يزول، لأنه لم يُبنَ على قول، بل على فعل.
كم من بابٍ فُتح لأنك طُرِق بنيةٍ صافية، وكم من قلبٍ اطمأنّ لأنك كنت فيه سنداً، وكم من ذكرى دافئة ما زالت تتناقلها المجالس، كلما ذُكر اسمك قيل بعده: رحمه الله… كان رجلاً نادراً.
علّمتنا بغيابك أن الرجال لا يُقاسون بطول أعمارهم، بل بعمق الأثر الذي يتركونه، وأن الموت لا يقطع السيرة الطيبة، بل يثبّتها ويخلّدها.
نسأل الله أن يجعل كرمك شفيعك، وسماحتك نور قبرك، وطيب أثرك صدقةً جاريةً لك إلى يوم الدين. رحمك الله يا عمّي، وجعل ذكراك حياةً في قلوبنا، وجمعنا بك في مستقر رحمته، حيث لا فراق بعده.
