عروبة الإخباري –
الدستور – الشاعرة والفنانة التشكيلية غدير حدادين
في عيد ميلاد سيدنا جلالة الملك عبدالله الثاني ابن_الحسين، لا أكتب بصفتي مواطنة فحسب، بل بقلبي كله؛ كشاعرة ترى في الكلمات أكثر من معنى، وكفنانة تشكيلية تعرف أن كل لون في الوطن يحتاج إلى توازن دقيق، وكأمّ تخاف على مستقبل أبنائها، وكمديرة مدرسة تعرف أن بناء الإنسان هو أعمق أشكال السيادة، وكابنة لهذا الوطن الذي يسكنني كما أسكنه.
هذا اليوم ليس مجرد مناسبة عابرة في الذاكرة الوطنية، بل لحظة نحتفل فيها بما تحقق وبما نستمر في بنائه. هو يوم لتقدير قائد اختار أن يكون في قلب الوطن لا على هامشه، وأن يجعل من المسؤولية حياة يومية، ومن الفعل معنى، قبل أن يكون خطابا.
في زمن تتكسر فيه الجغرافيا العربية على صخور الأزمات، بقي الأردن واقفا، ليس لأنه بلا أوجاع، بل لأنه يمتلك قائدا يعرف كيف يوازن بين النار والماء، بين الحكمة والحزم، بين الثبات والانفتاح. سيدنا لم يكن يوما رمزا للشعارات، بل رمزا للتفاصيل الدقيقة: الإنسان، كرامته، خبزه، صوته، وأمله. وكل فعل يقوم به يعكس الحرص على أن يصبح الوطن أكثر استقرارا، وأكثر قدرة على العطاء.
كشاعرة، أرى في سيدنا نصا مفتوحا على التأويل الإنساني؛ رجلا يدرك أن الكلمات وحدها لا تكفي، وأن القصيدة الحقيقية تُكتب بالفعل. في مواقفه من القدس، من فلسطين، ومن قضايا الأمة، نقرأ بيتا واضحا لا يحتمل الغموض: الأردن مع الحق مهما كانت الكلفة. وفي الدفاع عن الوصاية الهاشمية على المقدسات، نلمس تاريخا حيا، يُحمل على الكتفين بإيمان ومسؤولية، لا يُحفظ فقط في الكتب.
كفنانة تشكيلية، أرى الأردن لوحة شديدة الحساسية، مليئة بالتناقضات الجميلة: صحراء وبحر، فقر وكرامة، شح موارد وغنى إنساني. سيدنا في هذه اللوحة ليس لونا طاغيا، بل نقطة توازن دقيقة، يعرف متى يترك المساحة للآخرين، ومتى يتدخل ليحافظ على تماسك المشهد. قيادته ليست استعراضا، بل هندسة واعية، تحترم تعقيد الواقع، وتحوّل التحديات إلى مساحة للإبداع الوطني.
أما كتربوية ومديرة مدرسة، فأؤمن أن أخطر معارك الأوطان تُخاض في العقول. التعليم في عهد سيدنا لم يكن ملفا ثانويا، بل ركيزة أساسية لبناء المستقبل. التركيز على الشباب، على المهارات، على التفكير النقدي، وعلى تمكين المرأة، ليس ترفا، بل إدراك عميق بأن الاستثمار الحقيقي هو الإنسان. كل مدرسة، وكل طفل، وكل معلم، هو جبهة من جبهات السيادة، وكل تقدم في التعليم يعني وطنًا أقوى وأكثر وعيا.
كأم، أقرأ في ملامح سيدنا قلقا يشبه قلقي: كيف نحمي أبناءنا من عالم متقلب؟ كيف نمنحهم وطنا آمنا دون أن نغلق نوافذه على العالم؟ كيف نزرع فيهم الانتماء دون أن نقتل الحلم؟ في خطاباته، لا أسمع لغة خشبية، بل أسمع أبا يعرف أن المستقبل لا يُؤجل، وأن الأمان لا يُختصر بالحدود المحروسة وحدها، بل بالعدالة والفرص والكرامة.
وكابنة لهذا الوطن، أشعر أن علاقتنا بـ سيدنا ليست علاقة مسافة، بل علاقة مصير. نحن لا نراه في المناسبات الرسمية فقط، بل في تعب الجنود، في صبر الأردنيين، وفي قدرتنا العجيبة على الصمود رغم كل شيء. هو واحد منا، يعرف أسماء المدن، وملامح الناس، ووجع التفاصيل الصغيرة، ويعلم أن الوطن لا يُدار من برج عاجي، بل من تماس يوميّ مع الواقع.
في يوم ميلاده، نفرح بما حققه وبما نستمر في بنائه. سيدنا لم يجعل من الاحتفال مجرد رقم يُضاف إلى العمر، بل مناسبة لتجديد الوعي الوطني، ولتقدير المسؤولية التي نعيشها جميعا كأبناء الوطن. كل عام وهو بخير، وكل عام الأردن أكثر صلابة، وأكثر وعيا، وأكثر قدرة على أن يكون وطنا يليق بأبنائه… ويليق بقائده، وبروح كل من يسكن هذا الوطن ويحبّه.
في هذا اليوم، لا نحتفل بعمره وحده، بل بالقيادة التي تجعل من الوطن قصيدة نعيشها، وبالفعل الذي يظل حاضرا رغم كل التحديات، وبالضمير الذي ينبض في تفاصيل الحياة اليومية، وبالحلم الذي لا يتوقف. نحتفل، لأن الوطن معنا، ومع سيدنا، يصبح الفعل معنى، والحلم واقعا، والذكرى فرصة لنستمر في البناء والصمود والأمل.
