عروبة الإخباري –
في المشهد الأدبي والثقافي العربي المعاصر، تتبوأ الدكتورة عبير العربي مكانة استثنائية تجعل من نصوصها مرجعًا للوعي الإنساني، وللدقة التاريخية، وللعبقرية الأدبية والفلسفية في آن واحد، وأعمالها ليست مجرد كتابة أو سرد للأحداث، بل هي تجارب وجودية حية، تتفاعل مع القارئ على مستويات متعددة: العاطفية، الوطنية، النفسية، والفلسفية، إنها كاتبة تحوّل الكلمة إلى فعل، وتجعل التاريخ، والمأساة، والانتصار، والكرامة، محاور حية تتنفس في النص، وتؤثر في كل قارئ يقترب منها.
تتميز عبير العربي بقدرتها على الجمع بين أبعاد متعددة في النص: الواقعية التاريخية والدقة الوثائقية، الحس الوطني والمصداقية، الفلسفة الإنسانية والرمزية، والمشاعر العميقة واللغة الرشيقة، هذه القدرة تجعل من كل نص تجربة متكاملة، حيث لا يقتصر التأثير على العقل أو المشاعر فحسب، بل يصل إلى الوعي الداخلي للذات، ويترك أثرًا خالدًا في القارئ.
نص معركة الإسماعيلية: البطولة تتحوّل إلى تجربة شعورية
في نصها عن معركة الإسماعيلية، تظهر عبقرية الدكتورة عبير العربي في قدرتها على إعادة خلق التاريخ بصياغة أدبية تحاكي الواقع وتستشعر روح الحدث. النص لا يكتفي بسرد الوقائع، بل ينقل القارئ إلى قلب المعركة، بحيث يشعر بكل خطوة، وبكل صدى، وبكل نبضة من نبضات البطولة.
التميز الأدبي للنص يكمن في التوازن بين الواقعية التاريخية والدقة الوثائقية من جهة، وبين الرؤية الوطنية والبعد الرمزي والشعوري من جهة أخرى. كل حدث صغير، من صوت المدافع إلى اهتزاز القلوب، يتحوّل إلى رمز خالد للشرف، التضحية، والانتماء الوطني. أسلوب الكاتبة يعتمد على الجمل القصيرة والإيقاع التصاعدي والتكرار المدروس والصور الحسية، مما يمنح النص وقعًا دراميًا يستحث الانفعال ويشد الانتباه دون أن يفقد الواقعية التاريخية.
الأكثر روعة في النص هو القدرة على تصوير الرمزية الوطنية بشكل حيّ، فكل شهيد يصبح أيقونة للكرامة، وكل زاوية من الإسماعيلية تصبح شاهدًا على البطولة، وكل حدث صغير يحمل في طياته معنى خالدًا للشرف والتضحية والانتماء. هذا المزج الفريد بين التاريخ، والوصف الشعوري، والرمزية يجعل من نص عبير العربي عن معركة الإسماعيلية نموذجًا أدبيًا ووثائقيًا يحتذى به، ويضعها في مصاف أبرز الأصوات الأدبية التي استطاعت أن توثق البطولة بالكلمة نفسها، وليس بالأرشيف فقط.
نص “حين أرسلني حرزًا”: الألم يتحول إلى قوة
بينما يبرز نص معركة الإسماعيلية بعده الوطني والوطني، ينتقل نص “حين أرسلني حرزًا” إلى فضاء النفس الإنسانية والفلسفة الوجودية، حيث الألم الشخصي يصبح درسًا في القوة الداخلية، والاستقلالية، واستعادة الكرامة. النص هنا ليس مجرد سرد لخيانة أو فقدان، بل رحلة متكاملة لفهم الذات، والتحرر من محاولات الاختزال الرمزي للفرد إلى مجرد “شيء” أو “حرز” في حياة الآخرين.
الرمزية في النص، ممثلة في “الحرز”، تتحول من أداة قانونية إلى رمز للقوة الداخلية، والكرامة، والسيادة على الذات. هذا التحول يعكس قدرة الكاتبة على المزج بين الملموس والمجرد، القانون والروح، الحدث والفلسفة الوجودية، لتخلق نصًا يحمل تجربة كاملة عن الفقد، والتحرر، واستعادة الكرامة، والنشوة الناتجة عن استعادة الذات.
أسلوب عبير العربي في النص مذهل في دقته وجرسه الشعوري: التكرار المدروس، الصور الحسية الدقيقة، التسلسل السردي المتقن، والرمزية المحكمة، تجعل القارئ يعيش المشهد بكل إحساسه: القهر، الغضب، التحرر، الانتصار الداخلي، والإحساس العميق بالقوة الذاتية. أما البعد الفلسفي للنص، فيقدّم درسًا إنسانيًا ناضجًا: القوة الحقيقية ليست في من يغلق الأبواب أمامك، بل في من يستعيد ذاته، وكرامته، واستقلاله، ويحوّل نهاية مؤلمة إلى بداية مضيئة.
خلاصة: الكاتبة شاهدة على الكرامة والوجود الإنساني
في كل نصوصها، تثبت الدكتورة عبير العربي أنها ليست مجرد كاتبة للأحداث أو المشاعر، بل رسامة للروح الإنسانية، ومرشدة للذات، وشاهدة على البطولة والكرامة. سواء في نص معركة الإسماعيلية، حيث الوطنيّة والرمزية تتحدان لتصنع تجربة وطنية متكاملة، أو في نص “حين أرسلني حرزًا”، حيث الفقد والتحرر والقوة الداخلية تتحدان لتصنع تجربة وجودية عميقة، تظل عبير العربي صوتًا خالدًا، لا يقتصر تأثيره على قراءة النص فقط، بل يمتد إلى تغيير وعي القارئ، وتعميق إدراكه للبطولة، والكرامة، والوعي الذاتي.
إن نصوصها تُدرّس، وتُلهم، وتترك أثرًا خالدًا في الوعي الجمعي والفردي، وتضعها في مصاف أبرز الأصوات الأدبية والفكرية في العالم العربي المعاصر. الدكتورة عبير العربي ليست مجرد كاتبة، بل رسامة للكرامة الإنسانية، شاهدة على القوة الداخلية، ومرشدة لكل من يريد أن يعرف متى يترك، ومتى يستعيد ذاته، ومتى يرفع رأسه عاليًا بعد كل محاولة لاختزاله أو التقليل من قيمته.
باختصار، نصوصها هي تجارب حية، دروس في التاريخ والوعي والنفس البشرية، وملحمة أدبية وفلسفية وإنسانية، تجعل من عبير العربي صوتًا خالدًا في الأدب العربي، وشاهدة على البطولة، ومرشدة للروح الإنسانية في كل زمان ومكان.
